في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، ومع انحسار صوت المواجهة العسكرية لصالح هدنة هشة تفتح الباب أمام احتمالات متعددة، تبرز تساؤلات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة قد حققت أهدافها أم أنها وجدت نفسها أمام واقع جديد يفرض إعادة الحسابات.
في هذا السياق، يقدم د. نعيم الريان، الخبير في الشؤون الأمريكية، قراءة تحليلية تكشف أبعاد المأزق الأمريكي، وتفكك صورة القوة التقليدية، وصعود عوامل جديدة أعادت رسم توازنات الصراع.
ويرى الريان أن ما جرى من توقف لاطلاق النار لا يمكن تفسيره كإنجاز سياسي أو عسكري، بل هو انعكاس مباشر لحالة مأزق مركبة تعيشها واشنطن، هذا المأزق لا يرتبط فقط بسير المعركة، وإنما يمتد إلى بنية القرار الأمريكي، وتوازناته الداخلية، وقدرته على الاستمرار في إدارة صراعات مفتوحة دون أفق حاسم.
وفجر الأربعاء الماضي توصلت الولايات المتحدة وإيران لاتفاق وقف إطلاق النار، بوساطة باكستانية، عقب تصعيد عسكري بدأ في 28 فبراير بهجوم أمريكي إسرائيلي استهدف إيران.
فشل رهانات واشنطن
ويؤكد الريان في حديثه لصحيفة "فلسطين" أن الإدارة الأمريكية، بقيادة دونالد ترامب، دخلت هذه المواجهة وهي تراهن على تفوقها العسكري والتكنولوجي، إلا أن مجريات الأحداث أثبتت أن هذا التفوق لا يترجم بالضرورة إلى نتائج سياسية. فقد اصطدمت واشنطن بواقع مختلف، حيث لم تتمكن من فرض إرادتها، ما أدى إلى حالة من الارتباك الاستراتيجي، وطرح تساؤلات عميقة داخل المؤسسات الأمريكية حول جدوى هذا النهج.
ويشير إلى أن أحد أبرز ملامح هذا الارتباك هو تراجع دور المؤسسات في صنع القرار، مقابل تصاعد دور الدائرة الضيقة المحيطة بترامب.. هذا التحول أضعف من فاعلية الأداء الأمريكي، وجعل القرارات أكثر عرضة للتقلبات، وأقل استنادا إلى تقييمات استراتيجية طويلة المدى، ما انعكس بشكل واضح على مسار المواجهة ونتائجها.
ويلفت إلى أن الداخل الأمريكي لعب دورا حاسما في إعادة توجيه المسار، حيث تصاعدت حالة الانقسام السياسي بشكل غير مسبوق، وتزايدت حدة الاستقطاب بين القوى المختلفة. هذا الانقسام لم يبق في الإطار السياسي فقط، بل امتد إلى الشارع، ما شكل ضغطا إضافيا على الإدارة، وأضعف قدرتها على الاستمرار في سياسة التصعيد.
ويضيف أن العامل الاقتصادي كان حاضرا بقوة في حسابات القرار، حيث بدأت آثار الحرب تنعكس على المؤشرات المالية، مع تصاعد المخاوف من التضخم وارتفاع التكاليف. هذه المعطيات دفعت دوائر واسعة داخل الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في جدوى الاستمرار، خاصة في ظل غياب نتائج ملموسة يمكن تسويقها للرأي العام.
خيار اضطراري لا استراتيجي
ويرى الخبير في الشؤون الامريكية أن تراجع الدعم الشعبي للحرب شكل نقطة تحول مهمة، حيث لم يعد بالإمكان تجاهل المزاج العام الذي يميل إلى رفض الانخراط في صراعات خارجية مكلفة. هذا الرفض الشعبي حد من هامش المناورة لدى الإدارة، وجعل أي تصعيد إضافي يحمل مخاطر سياسية داخلية قد تنعكس على مستقبل القيادة نفسها.
ويوضح الريان أن قبول واشنطن بمسار الوساطة جاء كخيار اضطراري، وليس كتحول استراتيجي. فقد أتاح هذا المسار فرصة للإدارة الأمريكية لإعادة التموضع، وتخفيف الضغوط المتزايدة، مع الحفاظ على خطاب سياسي يحاول تجنب الإقرار بالفشل أو التراجع.
ويؤكد أن لجوء إدارة ترامب إلى هذا الخيار يعكس نمطا متكررا في السياسة الأمريكية، يقوم على استخدام الدبلوماسية كأداة لإدارة الأزمات وليس لحلها بشكل جذري. فالمقاربة الأمريكية غالبا ما تسعى إلى كسب الوقت وإعادة ترتيب الأوراق، تمهيدا لمرحلة لاحقة قد تشهد أشكالًا مختلفة من الضغط أو التصعيد.
تآكل الثقة
ويشير الريان إلى أن ما كشفته هذه المواجهة هو حدود القوة الأمريكية، خاصة عندما تواجه خصما قادرا على الصمود وإدارة حرب استنزاف طويلة، فالتفوق العسكري لم يعد كافيا لتحقيق الحسم، في ظل تعقيدات الجغرافيا وتداخل المصالح، ما يفرض على واشنطن إعادة تقييم أدواتها واستراتيجياتها.
ويلفت إلى أن صورة الولايات المتحدة على المستوى الدولي تعرضت لهزة واضحة، حيث تزايدت الشكوك حول مصداقيتها والتزامها بالقواعد التي تدعو إليها. هذا التراجع في الثقة الدولية قد ينعكس سلبا على قدرتها في بناء تحالفات مستقبلية، ويحد من تأثيرها في إدارة الأزمات العالمية.
ويرى أن أحد أخطر ما تواجهه واشنطن اليوم هو تآكل الثقة بين القيادة السياسية والمؤسسات، وكذلك بينها وبين الشارع، هذا التآكل يضعف من تماسك الجبهة الداخلية، ويجعل أي قرار استراتيجي عرضة للنقد والتشكيك، ما يقلل من فعاليته ويزيد من كلفته السياسية.
ويؤكد الريان أن المرحلة المقبلة ستتسم بدرجة عالية من الحذر في السلوك الأمريكي، حيث ستسعى واشنطن إلى تجنب الانخراط المباشر في مواجهات واسعة، مع التركيز على أدوات غير تقليدية لإدارة الصراع، بما في ذلك الضغوط الاقتصادية والسياسية، والعمل عبر الحلفاء.
ويشير إلى أن الولايات المتحدة لم تعد تمتلك رفاهية الحسم السريع، وأنها باتت مضطرة للتكيف مع واقع جديد يفرض عليها الاعتراف بحدود قوتها. هذا التحول، وإن كان تدريجيا، يعكس بداية مرحلة مختلفة في السياسة الأمريكية، عنوانها إدارة الأزمات بدلا من حسمها، والتعامل مع التحديات بواقعية أكبر.

