فلسطين أون لاين

مختص: الوعي ما بعد الصدمة في غزة تحوّل إلى قوة جماعية

...
غزة/ صفاء عاشور:

في حرب الإبادة المتواصلة على قطاع غزة، وما خلّفته من دمار واسع ونزوح جماعي وفقدان للأمان، برز لدى الفلسطينيين ما يُعرف بـ"الوعي ما بعد الصدمة"، بوصفه حالة نفسية واجتماعية تشكّلت نتيجة التعرض المستمر للحروب والأزمات.

ولم يعد هذا الوعي مجرد استجابة مؤقتة للصدمة، بل تحوّل إلى نمط تفكير جماعي يعزز التكيّف والصمود وإعادة بناء الحياة رغم قسوة الواقع.

ويرى أخصائي الصحة النفسية د. فواز أبو جهل أن الغزيين نجحوا، رغم حجم المأساة، في تحويل الألم إلى حالة من الإدراك العميق والمسؤولية الجماعية، تجلّت في التكافل الاجتماعي، واستمرار العملية التعليمية، وتوثيق الرواية الفلسطينية، والتمسك بالحياة والهوية الوطنية.

وأوضح أبو جهل لصحيفة "فلسطين" أن مفهوم "الوعي ما بعد الصدمة" يرتبط بما يُعرف في علم النفس بـ"النمو ما بعد الصدمة"، وهي حالة تنشأ عقب التعرض للأزمات والحروب، حيث تموت "الذات القديمة" لدى الإنسان لتولد ذات جديدة أكثر وعياً وصلابة.

وأشار إلى أن هذا الوعي لا يمثل ترفاً فكرياً، بل يُعد استراتيجية للبقاء، تدفع الإنسان إلى إعادة فهم الواقع والتعامل مع الظروف القاسية بقدر أكبر من النضج والقدرة على التكيّف.

وأضاف أن الغزيين طوروا هذا الوعي نتيجة سنوات الحصار والحروب المتكررة، ما جعلهم أكثر قدرة على إعادة صياغة علاقتهم بالحياة والوطن، رغم الخسائر المتواصلة.

وبيّن أن الصدمة في غزة دفعت الأفراد والجماعات إلى إعادة تعريف مفاهيم الموت والفقد واليأس، وتحويلها إلى معانٍ مرتبطة بالصمود والاستمرار، لافتاً إلى أن الجانب النفسي لهذا الوعي يتمثل في "المرونة النفسية"، حيث لا يكتفي الإنسان بمحاولة العودة إلى ما كان عليه قبل الصدمة، بل يطوّر أساليب جديدة للتفكير والتعامل مع الضغوط.

وأكد أن كثيراً من الغزيين انتقلوا من الشعور بأنهم "ضحايا" إلى إدراك أنفسهم كناجين وقادرين على المقاومة، الأمر الذي منحهم دافعاً للبحث عن معنى للحياة وسط الحرب والدمار.

التعليم وسيلة للبقاء

وأشار أبو جهل إلى أن مفهوم الوعي ما بعد الصدمة تجاوز إطار الدعم النفسي التقليدي، ليصل إلى الجانب التربوي والتعليمي، حيث تحولت الخيام ومراكز النزوح إلى مساحات للتعليم وتبادل القصص والخبرات.

وتابع أن مبادرات "النقاط التعليمية" التي أطلقها معلمون ومتطوعون وسط الركام، عكست وعياً جماعياً بخطورة فقدان التعليم، باعتباره جزءاً أساسياً من الهوية والمستقبل الفلسطيني.

وبيّن أن هذه المبادرات ساعدت في التخفيف من العزلة النفسية لدى الأطفال والنازحين، وأسهمت في خلق حالة من التماسك الاجتماعي داخل أماكن النزوح.

ويرى أبو جهل أن الوعي ما بعد الصدمة في غزة يقوم على فكرة "التعافي الجماعي"، حيث تتحول العلاقات الاجتماعية إلى وسيلة للحماية من الانهيار النفسي والاجتماعي.

وأوضح أن المجتمع الغزي يتعامل مع الصدمة بوصفها تجربة جماعية يعيشها الجميع، وليست أزمة فردية، ما يخفف من الشعور بالعزلة ويحوّل الألم إلى طاقة للتضامن والتكافل.

وأشار إلى أن المبادرات الشعبية والتكيات، وتقاسم المأوى والمساحات مع النازحين، تمثل نماذج واضحة لهذا الوعي الجماعي، إلى جانب الدور الذي لعبته المدارس والنقاط التعليمية في تعزيز التماسك المجتمعي.

وأكمل أن الحرب ساهمت في إذابة كثير من الفوارق الطبقية والاجتماعية، إذ بات الجميع يعيشون الظروف ذاتها، ما عزز الشعور بالهوية الوطنية والمصير المشترك.

الرواية الجماعية للصمود

وتطرق أبو جهل إلى تحول الخيام وأماكن تجمع النازحين تحولت إلى فضاءات لرواية القصص والحكايات المتعلقة بالفقد والصمود، ما ساهم في تحويل التجارب المؤلمة إلى ذاكرة جمعية تعزز الصمود المجتمعي.

وأشار إلى أن الظروف الطارئة أفرزت أدواراً اجتماعية جديدة، خاصة لدى الشباب والنساء، حيث برزت قيادات شبابية ومبادرات مجتمعية إلى جانب الدور المهم للمرأة في إدارة الأزمات وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي.

وأكد أن تراكم الحروب على غزة أسهم في تشكيل "ذاكرة جمعية" لدى السكان، جعلتهم أكثر قدرة على التكيّف مع المخاطر والأزمات المتكررة.

ولفت إلى أن الإيمان والوازع الديني شكّلا عاملاً مهماً في تعزيز قدرة السكان على تحمل المعاناة، من خلال مفاهيم الصبر والاحتساب والإيمان بعدالة القضية الفلسطينية.

واستطرد في حديثه إن وضوح القضية وعدالتها غيّر نظرة الإنسان لنفسه من "ضحية" إلى "صاحب حق"، ما عزز التمسك بالأرض والحياة.

كما وصف الصحفيين الغزيين بأنهم نموذج استثنائي للوعي الوطني والإنساني، إذ واصل كثير منهم أداء عملهم رغم فقدان عائلاتهم ومنازلهم، انطلاقاً من إيمانهم بأن توثيق الحقيقة ونقل الرواية الفلسطينية يمثلان شكلاً من أشكال المقاومة.

واختتم د. فواز أبو جهل حديثه بالتأكيد على أن الوعي ما بعد الصدمة في غزة يمثل حالة نفسية واجتماعية تشكلت نتيجة الحروب المتكررة وما رافقها من نزوح وفقدان وضغوط هائلة، لكنه في الوقت ذاته أنتج نماذج لافتة من الصمود والتكافل والقدرة على التكيّف.

وشدد على أهمية دور الأسرة والمؤسسات المجتمعية والدولية في تعزيز هذا الوعي الإيجابي، من خلال تقديم الدعم النفسي والاجتماعي، خاصة للأطفال والنساء وذوي الإعاقة، بما يساعد المجتمع الغزي على الاستمرار والحفاظ على تماسكه رغم الظروف القاسية.