لم يكن الدكتور فضل أبو هين مجرد أستاذ جامعي يشرح نظريات علم النفس داخل القاعات الدراسية، بل كان مُرشدًا ومُعلمًا وإنسانًا كرّس حياته لخدمة المجتمع الفلسطيني. وبعد أعوام طويلة من العمل الأكاديمي والإنساني، رحل أبو هين تاركًا فراغًا كبيرًا في نفوس طلبته وزملائه، وفي مجال الصحة النفسية الذي كان يعدّ أحد أبرز رواده في قطاع غزة.
وأفنى أبو هين حياته بين التدريس والبحث العلمي والعمل المجتمعي والتدريب على مدار أكثر من خمسة وعشرين عامًا، حتى صار مرجعًا أكاديميًا وإنسانيًا لآلاف الطلبة والباحثين والمتخصصين في الصحة النفسية.
ومع اندلاع حرب الإبادة الجماعية يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، عاش أبو هين، بحسب زوجته وداد "أم فادي"، أدق تفاصيلها. وعندما اشتدت جرائم القتل والإبادة التي مارسها جيش الاحتلال، دُمر منزل عائلة أبو هين في مدينة غزة، ما جعلها مُجبرة على التنقل بين أحيائها، قبل النزوح إلى محافظات جنوبي القطاع الساحلي، بحثًا عن ملاذٍ آمن.
وتضيف زوجة أبو هين لصحيفة "فلسطين"، أن العائلة فقدت كل ما تملك تقريبًا، بعد تدمير منزلها وممتلكاتها، ولم تبقَ سوى ذكريات تحتفظ بها القلوب والعقول.
تستذكر آخر أيام زوجها، فتوضح أنه رفض مُغادرة مكان النزوح داخل مقر جامعة الأقصى في محافظة خان يونس، جنوبي قطاع غزة، بالرغم من الاجتياح البري، وتقدم دبابات جيش الاحتلال.
وكانت قد طلبت منه النزوح مجددًا إلى رفح، جنوبًا، حفاظًا على حياته، فردَّ عليها: "بدأت حياتي في جامعة الأقصى وسأموت فيها أيضًا".
وفي الثاني والعشرين من يناير/ كانون الثاني 2024، تسبب قصف مدفعي إسرائيلي استهدف مكان نزوحه داخل الجامعة، الدكتور أبو هين، ما أدى إلى استشهاده، لتنتهي رحلة رجل أكاديمي أفنى حياته في خدمة العلم والإنسان.
وهذه ليست هذه المرة الأولى التي يستهدف فيها الاحتلال الدكتور أبو هين وعائلته، إذ تعرض منزله للقصف عدة مرات في السنوات الماضية، وفق زوجته. وكان قد اعتُقل عام 2003 بعد عملية عسكرية إسرائيلية استشهد خلالها ثلاثة من أشقائه، وأمضى في سجون الاحتلال أكثر من عامين تعرض خلالها للتعذيب النفسي والجسدي، والعزل الانفرادي.
وتؤكد الزوجة، أن حرب الإبادة لم تدمر المنازل فقط، بل مزقت حياة آلاف الأسر الفلسطينية، وأفقدتها ذكرياتها واستقرارها.
شخصية استثنائية
أستاذ علم النفس السابق في جامعة الأقصى الدكتور درادح الشاعر، قال: إن "الراحل أبو هين، كان شخصية استثنائية على المستويات العلمية والإنسانية والاجتماعية"، مشيرًا إلى أنه جمع بين التميز الأكاديمي والأخلاق الرفيعة والعلاقات الإنسانية الواسعة.
وفي حديثه لـ"فلسطين"، أضاف الشاعر الذي رافق أبو هين في محطات علمية كثيرة، أنه كان من أوائل المتخصصين الذين عملوا في مجال الصحة النفسية في غزة، وأسهم من خلال عيادته في تقديم الدعم والعلاج لآلاف الفلسطينيين، بينما كان حريصًا على إيصال خدماته إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
وأوضح الشاعر أن الراحل أبو هين، أسس مركز التدريب المجتمعي وإدارة الأزمات منذ نهاية التسعينيات، والذي قدم على مدار سنوات خدمات نفسية واجتماعية واسعة لمختلف شرائح المجتمع الفلسطيني، خاصة خلال فترات الحروب والأزمات المتكررة.
وأشار إلى أن الشهيد لم يكتفِ بالعمل الأكاديمي، بل كان ينزل بنفسه إلى مناطق الخطر بصحبة فرق الدعم النفسي لمساندة المتضررين من الاعتداءات الإسرائيلية، مؤكدًا أن حضوره الميداني جعل منه نموذجًا للعطاء الإنساني والمسؤولية المجتمعية.

وجاء استشهاد أبو هين، ضمن سلسلة طويلة من الجرائم التي استهدفت الأكاديميين والمؤسسات التعليمية خلال حرب الإبادة، حيث تعرضت الجامعات والمدارس والكليات للاستهداف المباشر والتدمير، فيما فقدت الساحة الأكاديمية عشرات العلماء والأساتذة والباحثين.
مرجع علمي
وخلال مسيرته العلمية، حصل أبو هين على درجة الأستاذية في الصحة النفسية، وهي مرتبة أكاديمية تتطلب سنوات طويلة من البحث والإنتاج العلمي، كما نشر عشرات الدراسات والأبحاث التي ما تزال تشكل مرجعًا للطلبة والباحثين في مراحل البكالوريوس والماجستير والدكتوراه.
ويرى الشاعر أن أهم ما تميز به أبو هين؛ تواضعه وقربه من الطلبة، إذ كان يتعامل معهم كمرشد وأخ أكبر، ويحرص على تشجيعهم ودعمهم أكاديميًا وإنسانيًا، ما جعله يحظى بمحبة واسعة داخل الأوساط الجامعية.
ويؤكد أن استشهاده شكل صدمة كبيرة لطلبته وللعاملين في مجال الصحة النفسية، لكونه أحد أبرز المراجع العلمية الفلسطينية في هذا التخصص، مضيفًا: أن خسارته لا تقتصر على جامعة أو مؤسسة، بل تمتد إلى المجتمع الفلسطيني بأكمله.
ويوضح أن أبو هين، أمضى أكثر من ربع قرن في التدريس بالجامعات الفلسطينية، وفي مقدمتها جامعة الأقصى، وأسهم في تخريج أجيال من المختصين والباحثين الذين حملوا رسالته العلمية والإنسانية.
ورغم رحيله، ما يزال أثر الدكتور فضل أبو هين، حاضرًا في قاعات الدراسة وكتب الباحثين وذاكرة الطلبة، الذين يروون سيرته باعتباره أستاذًا وإنسانًا ترك بصمة لا تمحى. فالرجل الذي قضى عمره في تضميد الجراح النفسية للفلسطينيين، أصبح واحدًا من أبرز ضحايا الحرب التي استهدفت الإنسان والعلم معًا.

