في قطاع غزة المثخن بالجراح، لا تُقاس أعمار النساء بعدد السنين، بل بعدد المرات التي انحنين فيها لتقبيل جباه أبنائهن الشهداء قبل الوداع الأخير. في زاوية منسية من مخيمات النزوح، تجلس الحاجة سلام عياد "أم طارق"، وقد ارتسم على ملامحها وقار الصابرين، تختصر حكايتها مأساة شعب بأكمله، وتروي سيرة أمٍّ قدّمت فلذات كبدها واحدًا تلو الآخر، وبقيت واقفةً تحرس ما تبقى من كرامة تحت قماش خيمة.
لم تكن "أم طارق" مجرد شاهدة على الحرب، بل كانت الحكاية ذاتها؛ امرأة قدّمت عائلة كاملة على مذبح الحرية، لتغدو اليوم رمزًا حيًا لـ"خنساء فلسطين".
![]()
لم يكن درب التضحية غريبًا عليها، فقد نشأت في بيت يتنفس المقاومة. تعود بذاكرتها إلى سنوات مضت، حين كان والدها الحاج مصطفى صرصور صديقًا للشيخ الشهيد أحمد ياسين، مؤسس حركة "حماس". لم يكن مجرد رفيق درب، بل كان ظله الذي لا يفارقه، حتى ارتقيا معًا في غارة إسرائيلية عام 2004.
تقول أم طارق بنبرة يملؤها الفخر: "كان والدي يدرك أن السير في طريق الشيخ ياسين يعني نيل إحدى الحسنيين، استشهد وهو يبتسم، وكأنه كان يمهّد لنا الطريق".
لم يكد جرح فقد الأب يندمل، حتى فُتحت أبواب الفقد على مصراعيها؛ فبعد أربعين يومًا فقط، لحق به نجلها محمد، لتبدأ سلسلة طويلة من الوجع لم تتوقف حتى اليوم.
أبو طارق.. القائد الذي بنى بيتًا من إيمان
حين تتحدث عن زوجها، القائد في كتائب القسام حاتم عياد، تنكسر نبرة صوتها قليلًا، لتفسح المجال لدموع الحنين. تصف خمسة عشر عامًا من الزواج بأنها كانت "خلوة مع الله"، ومدرسة حقيقية لبناء الرجال.
![]()
تستعيد تفاصيله قائلة لصحيفة "فلسطين": "لم يكن أبو طارق قائدًا في الميدان فقط، بل كان إمامًا في بيته. لم يكن يعرف النوم وقت السحر، وكان يوقظنا لصلاة الفجر حتى في أشد الليالي قسوة وقصفًا".
وتضيف بمرارة يختلط فيها الرضا: "كان ينظر إلى أبنائي طارق ورائد ومصطفى ويقول: (يا أم طارق، هؤلاء هبة الله، وغدًا سيرحلون إليه، فلا تجعلي الدنيا أكبر همّك). كان صادقًا في طلب الشهادة، ونالها في قصف غادر أواخر عام 2008، تاركًا خلفه أبناءً عاهدوا الله على الوفاء لدمه".
لم تكن الأمومة لدى "أم طارق" مجرد غريزة، بل مشروع تضحية متكامل. بدأت القافلة بابنها البكر طارق، الذي ارتقى في مسيرات العودة، تاركًا طفلًا يتيمًا يحمل ملامحه. تقول عنه: "كان يشبه أباه في صمته وعطائه، وحين استشهد شعرت أن جزءًا من روحي غادرني، لكنني توضأت وسجدت شكرًا لله".
![]()
ومع اندلاع حرب الإبادة الأخيرة، اشتدت المحنة. التحق رائد بركب والده وأخيه، مخلفًا طفلين صغيرين باتا أمانة في عنق جدته، التي وجدت نفسها أمًا وجدةً ومعيلةً في آنٍ واحد.
تروي تلك اللحظات قائلة: "بعد استشهاد رائد، نزحنا إلى مكان آخر، ثم قُصف المنزل وأُصبت أنا وبناتي. وبعد استشهاد والدتي بخمسة عشر يومًا، ارتقى حماي أيضًا. لم يبقَ معي سوى بناتي ريم ونور وبسمة".
ولم تمضِ أشهر قليلة، حتى لحق بهم مصطفى، ليغدو الأبناء الثلاثة شهداء. تقول بصوت يثقل باليقين: "رحلوا جميعًا.. رحل السند، ولم يبقَ سوى الذكريات وصور معلقة، ويقين أنهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر".
لم يتوقف النزيف عند الأبناء، بل طال والدتها التي كانت تمثل لها "وطنًا صغيرًا"، فاستشهدت، ولحق بها شقيقها محمود، ثم صهرها (زوج ابنتها). وجدت "أم طارق" نفسها محاطة بالفقد، ومسؤولة عن تربية الأيتام في ظروف معيشية قاهرة.
![]()
حتى منزل العائلة لم يسلم، فقد سُوّي بالأرض، وتحول إلى ركام يختزن تحت حجارته بقايا حياة وذكريات.
خيمة الكرامة.. ويقين لا ينكسر
اليوم، تعيش "أم طارق" في خيمة متهالكة؛ تارة تغمرها أمطار الشتاء، وتارة يلفحها قيظ الصيف، لكنها تجلس فيها بكبرياء لا ينكسر.
تختتم حديثها برسالة تختصر وجعها وصلابتها: "هدموا بيوتنا ليقتلوا فينا روح البقاء، وقتلوا رجالنا ليخمدوا نار الانتماء، لكنهم واهمون. نحن هنا، في هذه الخيمة، أقوى من طائراتهم. ذهب الزوج والأبناء والإخوة، وبقيت أنا وبناتي حارسات لهذا الحق. لن نبرح هذه الأرض، ولن نندم على ما قدمناه، فكل ما نملك فداء للأقصى. سنخرج من هذه الخيمة إما محررين أو شهداء نلتقي بالأحبة في جنات النعيم".
هكذا تمضي "خنساء غزة" يومها، تلملم جراحها بصمت، وتزرع في قلوب بناتها وأحفادها يقينًا راسخًا: أن الدم لا يضيع، وأن الأرض التي سُقيت بتضحيات الأبناء لا بد أن تُنبت حرية، ولو بعد حين.

