تقرير التنازل عن المهور.. إنقاصٌ لحق اجتماعي وتسميته مصلحة للمرأة

...
صورة تعبيرية
غزة/ مريم الشوبكي:

يتفاخر بعض الآباء بتنازلهم عن مهر ابنته بحجة أنه "يشتري رجلًا"، انطلاقًا من قاعدة التيسير على طالبي الزواج، فهل ما يفعلونه جائز شرعًا؟ وكيف هي النظرة الاجتماعية تجاه هذا الأمر؟ وهل للفتاة الحق في رفض ذلك؟ وهل يسبب لها أذى معنويًّا لأنها أقل من مثيلاتها؟

قبل أيام ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بفعل أب في قطاع غزة تنازل عن صداق ابنته "المهر"، بين رافض بعدِّه حقًّا متعارفًا يقدمه الرجل للمرأة التي سيشاركها حياته، وقيمته تقدر حسب العرف المعمول به في كل دولة، في حين قبل آخرون بعدِّه تخفيفًا عن الشباب وإحياء لسنة مهجورة، إذ يوجد في التاريخ الإسلامي العديد من الشواهد على ذلك.

وترى خلود مطر تنازل الأب عن مهر ابنته، بأنه "أمر مهين للمرأة"، مشيرة إلى الصداق "هدية شرعية رمزية للمرأة التي ستشارك زوجها حياتها وسيؤمنها على أسرته ومستقبله".

على حين يقول يعقوب حجو: "قيمة الصداق يحددها العرف وليس الأب، حسب ما هو متعارف عليه في البلد، فمثلًا معجل الصداق في مصر يمكن أن يكون جنيهًا، ولكن يُتفق بين الأسرتين على تأسيس البيت المادي للعروسين (الشقة وتأثيثها)، والمؤخر بالاتفاق، وعندنا في غزة الصداق من 2000 إلى 4000 معجل ولا يحق للأب أن يحدد قيمة المهر أو يتنازل عنه".

وكان لنهى سليم رأي آخر، تتحدث: "المهر حق للمرأة، ولكن إن كان الأمر بموافقتها، والرغبة موجودة عند الجميع بالاتفاق فلا ضير في ذلك، وإن كان والدها هو سيوفر لها كل شيء بتكلفة المهر المعروف والمعهود كما كل الفتيات".

حق اجتماعي

يقول أستاذ علم النفس الاجتماعي د. درداح الشاعر: "تنازل الأب أو ولي الأمر عن مهر المرأة فيه مخالفة شرعية، وأخلاقية، وفيه تفريط لحقوق الزوجة، لأن الصداق يدفعه الزوج مقابل الاستمتاع بها، لذا لا يحق لأي أحد أن يتنازل عنه، إلا إذا تنازلت هي عنه بعد الزواج".

ويضيف الشاعر لـ"فلسطين": "المهر يعطي للمرأة قيمة اجتماعية وسط مجتمعها، والتنازل عنه فيه إنقاص للحق الاجتماعي لها، وامتهان لها، فهي تتباهى فيه أمام مثيلاتها".

ويلفت إلى أن التنازل عن المهر يمكن أن يوقع الغبن والظلم من قبل الزوج على زوجته، لأنه لم يكلفه شيئًا، وقد يقلل من قيمتها.

وعن تباهي بعض الآباء بتنازلهم عن مهر بناتهم، يبين أن من يفعلون ذلك هم يتباهون بغير رضا الله، ومن المطلوب منهم حفظ قيمة بناتهم عند أزواجهنَّ، ويمكن أن يقللوا من الصداق والتغاضي عن جزء منه وليس التنازل عنه على الإطلاق.

إضرار معنوي

ومن جهته يؤكد أستاذ الفقه وأصوله د. زياد مقداد أن المهر حق من حقوق الزوجة، وهذا الحق أثبته القرآن والسنة، وحتى لو تزوجت المرأة ولم يسمَّ لها مهر، فهذا لا يعني سقوطه، ويثبت لها ما يسمى مهر المثل لقوله تعالى في سورة النساء: "وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً".

ويبين د. مقداد لـ"فلسطين" أنه ليس هناك حد أدنى للمهور، "إذا كان من السنة تقليلها فينبغي مراعاة مصلحة المرأة".

ويعلق بشأن ما يثار بين فينة وأخرى كأن يطلب والدها دينارًا، أو سورة من القرآن، يقول: "هذا الأمر رمزي، وقد يقوم الأب بكسوتها، أو أنهم طلبوا مهرًا دون تسميته إذ يقوم الزوج بكسوتها مما قدر له".

ويتابع د. مقداد مستدركًا: "ولكن إن كان دينارًا حقيقيًّا، فهذا يحتاج إلى مشاورة المرأة، فإن وافقت فكان، وإن لم توافق وتفرد الأب بالقرار فلا يجوز شرعًا ويضرها معنويًّا لأنها ستقل عن مثيلاتها بفرق واسع، ومن الأفضل تسمية المهر على الأغلب".

ويوضح أن التصرف في المهر حق ثابت للمرأة، وليس لأحد حق التصرف فيه أو التنازل عنه سواء أكان أبًا أو أخًا أو أيًّا كان ولي أمر، لقوله تعالى: "فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا".

ولدى سؤاله عن جواز تنازل الأب وولي الأب عن المهر ووقوع الطلاق بعد العقد وقبل الدخول، يجيب د. مقداد: "لا يجوز له التنازل دون الرجوع للمرأة حتى وإن كانت صغيرة وغير عاقلة، وهذا ما ذهب إليه فقهاء الحنابلة، ويثبت لها نصف المهر"، مستشهدًا بقوله تعالى: "وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْل أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَة فَنِصْف مَا فَرَضْتُمْ أَوْ يَعْفُو الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَة النِّكَاح".

ويتابع: "المقصود بالذي بيده عقدة النكاح هو الزوج كما جاء في رأي الجمهور، فإما أن تتنازل الزوجة عن نصف المهر، أو يتنازل الزوج عن النصف الثاني فيعطيها المهر كله".

وينبه د. مقداد إلى أنه يجوز للأب أو الجد أن يتنازل عن مهر ابنته أو جزء منه بعد العقد وقبل الدخول، على أن تكون المنكوحة بكرًا، وليست ثيبًا، أو أن يتم العفو بعد الطلاق وليس قبله.