تصدَّقوا وتعايشوا مع المرض

تقرير أطفال السكري.. عن الحرمان ووخز الإبر وصدمة الوالدين

...
صورة أرشيفية
غزة/ هدى الدلو:

صدمة غير متوقعة نزلت على مسامع والدي الطفلة "بيان" بعد يوم واحد من التشخيص والفحوصات الطبية انتهت في اليوم التالي بقرار الطبيب صرف حقن الإنسولين فورًا. استفهامات دارت في ذهن الأم لا تجد لها إجابة، فما تعرفه هو أن مستوى السكر في الدم لدى ابنتها وصل لـ600، على الرغم من تشكيك بعض الأطباء في النتائج لصدمتهم بها، إلا أن الأعراض والفحوصات لا تعطي إلا نتيجة واحدة.

شحوب واصفرار في الوجه، وعطش شديد، وهزلان، وذهاب متكرر إلى الحمام، وخسارة ثلاثة كيلوجرامات من الوزن خلال يوم واحد، هذه الأعراض الشديدة والواضحة بثت الخوف في نفسَي والديها، ما دفعهما للذهاب بها إلى العيادة الطبية، حيث شخصت بمرض السكري من النوع الأول.

تقول الأم لصحيفة "فلسطين": "لم تكن بيان قد تجاوزت الثانية عشرة عندما شخصت بالسكري، لم تعِ حينها طبيعة المرض وآثاره، أما أنا فدخلت في حالة صدمة لمدة عامين، لم أستطع تجاوزه لأتمكن من التعامل معها صحيًا وبنظام غذائي محدد، شعرت كأنني ضائعة في متاهة ولا أستطيع الخروج منها".

وتضيف: "استيقظت على نفسي أنها تحتاج إلى نفسية جيدة ومجتمع واعٍ، ونظام غذائي، فالمشكلة ليست في المريض بل في العقدة المجتمعية، ولكن الحمد لله لم أتعذب معها بل كانت قنوعة ومتفهمة، وأوجدت لها البدائل لأهون الأمر عليها، ما عدا وخز الإبر وألمها فلم أجد لهما حلًا".

بعد سنوات قليلة عادت الصدمة لتجتاح قلب الأم حيث لاحظت الأعراض ذاتها على طفلتها الثانية، والحال أن "سنا" كانت في عمر العامين عند اكتشاف إصابتها بالمرض.

وتردف الأم: "لم أكن أتوقع أن أعيش هذه الصدمة مرتين، لا يوجد أي سبب وراثي للإصابة، والارتفاع الكبير في السكر يؤكد أن بيان كان مصابة به منذ مدة، ولم نكتشف الأمر إلا بعدما توقف البنكرياس لتظهر الأعراض بشكل أشد".

وتتابع: "حين لاحظت الأعراض على سنا أحضرت جهاز الفحص البيتي لتكون الصدمة أن مستوى السكر في الدم يبلغ 500، لترافق شقيقتها في دوامة العلاج والوخز اليومي بحقن الإنسولين".

باتت "أم بيان" تشعر نفسها كأنها معلمة رياضيات، فلا تكتفي بحساب السعرات الحرارية لأي شيء ستأكلانه، بل حتى مدة الأنشطة التي تتطلب جهدًا عضليًا لكي تعرف حجم وحدات الإنسولين الذي يتعين على بيان وسنا حقن نفسيهما به.

وترفق "أم بيان" مع ابنتيها جهاز قياس السكر في الدم، لتجريا فحصًا في حال شعرتا بارتفاع أو انخفاض، وبطاقة تفيد بأنها مريضتا سكري ليسهل التعامل معهما والتواصل مع العائلة عند أي طارئ، "ولا أتركهما فيومًا تلو الآخر أزورهما في المدرسة وأتابع أمورهما".

اليوم بيان في مرحلة الثانوية العامة، وسنا في الأول الابتدائي وأصبحتا على درجة من الوعي والتثقيف الصحي بشأن مريضهما، وتوجه والدتها نصيحة لكل مصاب بالسكري أو سليم بأن "هذا الداء صديق للإنسان في حال عرف كيف يتعامل معه من خلال اتباع نظام صحي".

تتحدث بيان عن بداية إصابتها حيث لم تكن على دراية بطبيعة مرضها، ولكنها باتت تلاحظ مع مرور الشهور الأعراض التي تظهر عليها حال تناولها قطعة الشوكولاتة، لتبتعد عنها تدريجيًا.

"ولكن أكثر ما أثر في نفسي بسبب مرضي بالسكري هو صعوبة تقبل المجتمع لحالتها، فمديرة إحدى المدارس طلبت من أمي أن الزم البيت حتى لا تتحمل أي مسئولية تجاهي، الموقف أثر في نفسي كثيرًا، أكثر من حرماني من بعض الأطعمة المحببة لقلبي، ووجع وخز إبر الفحص والإنسولين".

شوكولاتة في الخفاء

أما الطفلة أسيل حجازي (12 عامًا) فأكثر ما يزعجها أنها لم تعد تتمكن من نوم ليلها الطويل دون الاستيقاظ في منتصفه على وخز إبرة لقياس مستوى السكر في دمها خوفًا من الدخول في غيبوبة سكر دون وعي ودراية، فبات الأمر مزعجًا كما الكوابيس.

تضحك مضيفة: "كنت أستغفل أمي وأبي وأفتح الثلاجة بحثًا عن الشوكولاتة التي يحرمانني منها، أحب تناولها بشراهة، ويطلبون مني الامتناع عنها بسبب مرض السكري الذي لم أكن أعرف تماما مضاعفات ارتفاع مستواه في الدم، كنت أشاهد أصدقائي يأكلون الحلويات ويستمتعون بها في حين أنا أحرم منها".

أما اليوم وبعد أربع سنوات من الإصابة، باتت "أسيل" لا تتناول الشوكولاتة إلا تحت إشراف والدها "بس نصف حبة، وما بزعل من ماما وبابا بسبب حرماني تناولها"، وذلك حتى لا تقع ضحية وخز الإبر التي تركت آثارها على يدها وبطنها، وتختبئ عند حلول موعدها.

يقول والدها رائد إن الأطباء اكتشفوا إصابتها بالسكري في عمر 8 سنوات، بعد طلبهم تحليلا لمستوى السكر في الدم في إثر الأعراض التي عانت منها: كتكرار التبول ليلًا، وجفاف الحلق، وشراهة في تناول الطعام، لتكون الصدمة على والدتها التي اصطحبتها إلى العيادة وعادت بدموع عينيها.

ويرجع والدها إصابة "أسيل" بالخوف إلى حالة الخوف الشديد التي تملكتها خلال العدوان الإسرائيلي على غزة صيف 2014، وإصابتها قبل فترة من اكتشاف المرض بالتهابات بالأمعاء والبنكرياس.

وسجل حجازي ابنته بجمعية تعنى بالأطفال المصابين بالسكري ليتعلم الإرشادات التي تملى عليه ويطبقها بكل حذافيرها، فعلموه كيفية وزن الطعام، وفحص السكر، والطريقة الصحيحة لوخز الإبر.

وواجه والدا أسيل صعوبة في إقناعها بعدم تناول الشوكولاتة التي كان تختلسها من ورائهما خفية ولا يكتشفان الأمر إلا عند إجراء فحص السكري اليومي.

ويضيف: "المشكلة أن أسيل عنيدة وتحب تناول الطعام والسكاكر، وباتت نفسيتها متعبة من جراء حرمانها تناول ما تحب"، ولكنه توصل معها في النهاية إلى نظام غذائي يسير عليه أفراد العائلة كافة في تناول الوجبات الغذائية وكميتها ونوعيتها، بما في ذلك الابتعاد عن الحلويات والسكاكر، والسماح بتناول كميات قليلة من الفواكه.

ويشير حجازي إلى أن الطفل مريض السكر يحتاج إلى متابعة دائمة، ففي بعض الأحيان ينخفض السكر إلى 30 أو 40 ليدخل في غيبوبة، وقبل الوصول إلى هذه المرحلة عليهم إنقاذه، لذلك يجب أن يكونوا 24 ساعة تحت ناظريك لإسعافهم بكأس من الماء والسكر أو قطعة شوكولاتة.

قائمة ممنوعات

أما أم أحمد الجرو التي يُبح صوتها وهي تصرخ على ابنها ليتلقى جرعته من الإنسولين فيصم آذانه ويهرب، بخلاف شقيقتيه اللتين تذكّران والدتهما بموعد الجرعة.

تقول: "على فترات أعمار مختلفة اكتشفت إصابتهم، فلا أحد يعرف السبب إن كان وراثيا من الأجداد القدماء أو غير ذلك!".

وتضيف الجرو: "عندما يكون لديك أكثر من طفل يعانون السكري، فالأمر يحمل الجانبين الإيجابي والسلبي، فالأول الإيجابي أن الطفل لا يجد نفسه محرومًا وحده بخلاف بقية أشقائه، فيجد من يرافقه في وجعه ومرضه، والثاني السلبي أن الأمر مجهد ومتعب للوالدين اللذين يتابعان الأمر وقائمة الممنوعات، ومكلف من ناحية مادية في سعر العلاج وشرائح الفحص، وغيرها".