فلسطين أون لاين

أحلام أبناء المحررين تُطمَس بقطع رواتب آبائهم

...
صورة أرشيفية
غزة/ مريم الشوبكي:

"نفسي بفواكه ومصروف".. مطلب قد يبدو "تافها" بالنسبة للبعض، ولكنه حلم طفل لم يتجاوز العشر سنوات ومريض بالسرطان، كل ذنبه أنه ابن محرر قطعت السلطة الفلسطينية راتبه منذ ثلاث سنوات.

عبد الله (10 أعوام) ابن المحرر محمود نصار من دير البلح وسط قطاع غزة، اعتقل والده وهو بعمر العام، أمضت أمه تسع سنوات -مدة اعتقال زوجها في سجون الاحتلال الإسرائيلي- تتنقل بين المستشفيات لعلاج ابنها.

غلب الحزن على صوت عبد الله قائلا: "نفسي أشتري ألعاب مثل أصحابي، كلما طلبت من أبي ذلك، يجيبني دائما لا يوجد مال"، أشعر بالضيق والغضب، ولكني مع الوقت قد تعودت هذا الأمر.

تقول والدته سماهر التي بدت علامات الضيق ظاهرة عليها حزنًا على حال زوجها وبناتها الأربع وطفلها: "عبد الله كأي مريض سرطان، يحتاج إلى تغذية صحية والفواكه أحدها، وهذا ما لا يستطيع زوجي توفيره، فهناك مصاريف أساسية أولى للأسرة".

وتضيف لـ"فلسطين": "ابنتي الكبرى في الجامعة، وفي كثير من الأحيان تُحرَم مصروفها الشخصي لكي توفر ثمن مواصلات الذهاب للجامعة، وابنتي الأخرى في الثانوية العامة، وتحتاج إلى دروس خصوصية لأنها في عامَي كورونا لم تتلقَّ تعليما وجاهيا، وهذا الأمر أثر في مستواها الدراسي".

وتتابع: "أبنائي الخمسة يعانون ضعفًا في النظر، ويحتاجون إلى تغيير نظاراتهم كل مدة، وهذا الأمر لا أستطيع تحقيقه لهم؛ فالتكلفة المادية كبيرة في ظل انقطاع راتب زوجي".

الابنة شهد في الثانوية العامة في الفرع العلمي، تراجع نظرها بسبب ضعف شبكات الإضاءة البديلة التي تعمل على البطاريات الجافة "ليدات" في البيت، فالبطارية تحتاج إلى تغيير، ووالدها لا يستطيع شراء واحدة جديدة.

تقول شهد: "والداي يمنعان اللقمة عن فميهما لكي يوفران المال لدروس الخصوصية حتى لا يتراجع مستواي الدراسي، وهذا الأمر يشكل ضغطًا نفسيًا كبيرًا عليّ، لشعوري بالذنب اتجاههما".

وتردف: "حرمنا نحن الخمسة أيضا كسوةَ المدارس، بسبب انقطاع راتب والدي، وكذلك المصروف اليومي، حتى إنني أضطر إلى المشي مسافة بعيدة لأصل إلى مكان المركز التعليمي لعدم قدرة والدي على توفير ثمن المواصلات".

وفقد سماهر ومحمود طفلة لهما قبل شهرين، لأنها كانت تعاني سوءَ التغذية وتحتاج إلى أدوية وعلاجات لم يتمكن محمود توفيرها لطفلته.

سجن وديون

حسن ابن المحرر إياد سلامة، أمنية حياته أن يمتلك بيتًا، لينعم وأهله بالراحة والاستقرار التي يفتقدهما، فلا ينفك صاحب البيت المستأجر عن طرق الباب عليه بداية كل شهر مطالبًا بالإيجار المتراكم، فضلا عن بلاغات الشرطة التي ترده على الدوام.

حسن (10 أعوام) يعيش في حالة خوف دائم من أن يغيب أبيه عن البيت، يقول: "قبل مدة من سجن أبي لثلاثة أشهر بسبب عدم قدرته على سداد الإيجارات المستحقة عليه".

لا يعيش حسن وأخوه حياة هانئة، فوالدهما يصارع الحياة يبحث عن مصدر رزق آخر لكي يؤمِّن لهم أساسيات الحياة.

يقول إياد (37 عاما) لـ"فلسطين": "عملت في أكثر من عمل، في منجرة، وفي عيادة أسنان، وفي تصميم مواقع إنترنت، وحاليا أبحث عن عمل يشعرني بالاستقرار ويعينني على توفير قوت أبنائي".

وإياد ليس مسؤولا عن عائلته فقط، بل أيضا هو المعيل الوحيد لوالدته وشقيقاته الثلاث، الذين يعانون وضعًا معيشيًّا صعبًا منذ أن انقطع راتبه قبل ثلاث سنوات.

ويضيف بعد أن غلبته الدموع: "عشت سنوات صعبة، أقسمت ألا أذيقها لأطفالي، لذلك لا أتوانى عن البحث عن عمل يُدِرّ لي دخلا بديلا لكي أؤمن أساسيات المعيشة لأطفالي، فلا يمكن أن أرفض إعطاء المصروف لهم أو عدم شراء لعبة لهم".

مكافأة بقطع الراتب

كان موعد فادي النمنم مع مكافأة لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بعد أسبوعين من الإفراج عنه من السجن في 24 ديسمبر/ كانون الأول، بقطع راتبه في مطلع يناير/ كانون الثاني من عام 2019م.

طموحات وأحلام كان قد رسمها النمنم وهو داخل جدران السجن، كيف سيعوض زوجته وابنيه عن سنوات البعد عنهم، ولكنه لم يتمكن من أخذ نفسه حتى تهاوت تلك الأحلام بعد قطع راتبه.

وسيم (10 أعوام) تركه أبوه رضيعًا لم يتجاوز الثلاثة أشهر، كان ينتظر حياة كلها رفاهية في رحاب والده، يلبي له كل ما حُرِمَه طوال سنوات سجن أبيه السبع.

يشعر وسيم بالحزن بسبب عدم مقدرة والده على تلبية طلباته، ولا سيما حلمه بأن يكون لديه دراجة كأصدقائه، ولكنه يصطدم في كل مرة باستمرار تأجيل أبيه طلبه، فحاجيات البيت أَوْلى من دراجته، وبثمنها يوفر الحليب والحفافظات.

ويستنكر فادي قطع السلطة راتبه، قائلا: "بدلًا من مكافأتنا بصفتنا أسرى عن حياة الأَسْر القاهرة التي عايشناها، براتب ورفاهية، نكافأ بحرماننا رواتبنا، وحتى حُرِمنا مستحقاتنا عن ثلاث سنوات صرف لنا نصف راتب لم تعترف بها السلطة أيضا".

ويتابع: "المحرر يعيش أيامه مديونًا، لا هو قادر على توفير متطلبات الحياة، ولا حتى سداد الديون".

ويكمل فادي: "حينما سألت عن سبب قطع راتبي، كان الجواب الصاعق من موظفي هيئة الأسرى والمحررين أنه قرار سياسي أعلى من الرئيس".

ويطالب بإعادة الرواتب لكل الأسرى، والمحررين، والشهداء، والجرحى المقطوعة رواتبهم، واستثنائهم من الخلافات السياسية.