نمو الاقتصاد الفلسطيني بين عامي 2020 و2021 الأكثر انكماشًا وتراجعًا (2-2)

إن ما تعرض له الاقتصاد الفلسطيني من أحوال استثنائية كامتداد لحالة الوباء الذي انتشر عالميًّا كانت له انعكاسات مباشرة على حالة النمو الاقتصادي لعام 2020، الذي تحقق فيه أعلى انكماش وتراجع في النمو ليصل مستوى هذا النمو إلى معدل سالب خلال فصول العام المذكور بلغ أعلاه 19.5% في الفصل الثاني للعام المشار إليه، وكان أدناه في الربع الأول بمعدل 3.5%، ناهيك بعوامل أخرى ممثلة في تراجع الدعم الخارجي عربيا ودوليا.

وبطبيعة الحال فقد انعكس ذلك على نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الذي هو متوسط عام لأنصبة مجموع الأفراد من الناتج، وهو وإن كان لا يعكس مستويات الدخول الحقيقية للأفراد بحكم التفاوت الكبير فيما بينهم، إلا أنه يبقى مؤشرا يعكس الوضع العام متجاهلا الفروق الهائلة بين حالة الغنى الفاحش والفقر المدقع.

أما عن حالة النمو الاقتصادي لعام 2021، فإن ما تحقق منها خلال النصف الأول من عام 2021 واستنادا إلى تنبؤات سلطة النقد للفصلين الثالث والرابع فإنه يتوقع حدوث نمو إيجابي محدود يصل بموجبه الناتج المحلي الإجمالي إلى 14635 مليون دولار.وذلك ضمن سيناريو أساس يقع بين حالتي التفاؤل والتشاؤم، وبحيث يتوقع أن يصل النمو على أساس سنوي إلى 4.4%.

إن هذا السيناريو يستند إلى الجهود الإيجابية المبذولة في مواجهة كورونا، واستمرار التخفيف من القيود والاجراءات الوبائية التي رافقت الجائحة الوبائية، هذا بجانب تحسن مستوى التحويلات المالية كسداد لمديونية الحكومة للقطاع الخاص.إن زيادة أعداد العاملين في (إسرائيل) له دور إيجابي أيضا في العناصر التي يعتمد عليها في تنبؤات سيناريو الأساس وصولا إلى تقديرات يمكن البناء عليها لاحتياجات صناع القرار والباحثين والإعلاميين والمهتمين.

إن معدل النمو الاقتصادي المشار إليه لعام 2021 وهو 4.4% يظل غير كافٍ للوصول إلى حالة النمو السائدة منذ عام 2017، إذ المطلوب تحقيق ما يفوق ذلك.

وأما ما يمكن تحقيقه كمعدل نمو في الناتج استنادا إلى سيناريو التفاؤل الذي يستند إلى عوامل إيجابية قد تكون مواتية فيقدر بنحو 7.2%، وهو بدوره يبقى ضئيلا ولا يحقق نقلة نوعية يعتد بها من منطلق أنه متدنٍّ ولا مجال أن يتجاوز حالة النمو السالب التي تحققت عام 2020 والبالغة 11.5%.

وبالانتقال إلى السيناريو التشاؤمي كأحد السيناريوهات الواجب أخذها في الحسبان والوارد حدوثها فهي تشير إلى إمكانية حدوث نمو سلبي على أساس سنوي لعام 2021 يبلغ 0.2%.

وعليه يظل المواطن هو ضحية تراجع النمو وضعفه، نظرا لبقاء دخله الحقيقي عند مستوى متدنٍّ.ما يقودنا في النهاية إلى أن هذه التنبؤات يجب أن تنال اهتمام مختلف الجهات المعنية بالنمو الاقتصادي لأخذ الحيطة والحذر، وأن تكون جهات صناعة القرار في حالة جهوزية تامة لمواجهة هذا الاحتمال وغيره من الاحتمالات تجنبا للأضرار والتداعيات التي قد تنجم في حالة حدوث هذا الاحتمال، بل ان من واجبها السعي الحثيث لأن يمثل ذلك دافعا لبذل أقصى جهد ممكن لتحويل المسار السلبي إلى مسار إيجابي عالٍ.

أما عن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الذي يمثل انعكاسًا مباشرا لقيمة هذا الناتج فكان قد بلغ فلسطينيًّا نحو 3463 دولارا سنويا في عام 2017، ثم تراجع في عام 2020 إلى 2914 دولارا سنويا، ليصل إلى 2916 دولارا فقط، وذلك استنادا إلى نشرة الحسابات القومية للربع الأول لعام 2021 الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد فهناك الفوارق الهائلة في نصيب الفرد من الناتج بين الضفة والقطاع ليصل إلى 4215 دولارا، 1216 دولارا لكل منهما على التوالي، كما يصل نصيب الفرد في الضفة إلى ثلاثة أضعاف ونصف نظيره في غزة.مما يعكس حالة عميقة من سوء التوزيع في الأجور والدخول التي يحصل عليها الأفراد والتي قد يكون أحد أسبابها أن هناك نحو 140 ألفا من عمال الضفة يعملون في (إسرائيل) ويحصلون على أجور مرتفعة نسبيا مقارنة بمستوى الأجور على المستوى الفلسطيني.

وخلاصة القول إن تشخيص حالة النمو الاقتصادي الفلسطيني لعامي 2020، 2021 تفرض الحاجة إلى ضرورة بذل جهود كبيرة لوضع وتنفيذ سياسات محددة يتعين إجراؤها والأخذ بها على مستوى صناعة القرار في كل من الضفة والقطاع لتصويب هذه الأوضاع وتصحيح بوصلة مسار النمو الاقتصادي، سعيا للتخفيف من التداعيات والآثار السلبية لمخاطر تباطؤ وتراجع النمو الاقتصادي المصحوب بأداء مستوى متدنٍّ، وانعكاس ذلك على الحالة المعيشية المتردية للغالبية العظمى من سكان المجتمع، في ظل حال من الإحباط غير المسبوق.