البلح الأحمر في بيوت الغزيين.. رطب وعجوة وحلوى

...
صورة أرشيفية
غزة/ هدى الدلو:

في أكبر غرفة في البيت العائلي، تتجمع السيدة أم معتز أبو سمرة برفقة أبنائها مشكلين حلقة أشبه بخلية نحل في سرعة العمل والإنجاز، يعملون على تجهيز الرطب وتجفيفه قبل تحويله إلى عجوة.

تقول أبو سمرة لصحيفة "فلسطين" بعد أن قطعت عملها في تعصير الرطب استعدادًا لعمل دبس التمر، إن عمل العجوة ليس وليدًا جديدًا، بل منذ وعت على الدنيا في العاشرة من عمرها وهي تساعد والدتها في خطوات عمل العجوة من البلح الأحمر.

تقطن أبو سمرة في مدينة دير البلح التي تشتهر بزراعة النخيل ويعد البلح الأحمر من أهم المحاصيل الزراعية التي تنتجها.

وتشير إلى نشاط السيدات في هذا الوقت لعمل العجوة التي تعد عادة عائلية وتراثية تتوافق مع يوم التراث الفلسطيني الذي يحييه الفلسطينيون في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، مؤكدة أن استمرار العائلات في صناعة العجوة المنزلية هو حفظ للتراث رغم التطور الحاصل في صناعة التمور ومشتقاتها.

وتلفت إلى حاجة صناعة العجوة منزليًّا إلى أيدٍ عاملة ووقت وجهد كبيرين، وفيه أيضًا رفض للواقع الاقتصادي السيئ.

إذ تستفيد العائلة مما تصنعه بتخزين جزء منه، في حين تبيع الفائض لزبائن يبحثون عن عجوة لا أي إضافات سكرية.

وبعد جني ثمار البلح ونضوجه تترك قطوفه في الهواء لتتحول الحبات الحمراء إلى رطب، وتجتمع أبو سمرة وأبناؤها لانتقاء الحبات الجيدة المليئة باللب ورطبة فوق المتوسط بقليل ويميل لونها إلى البني لا إلى الصفرة، وهي تعطي كمية أوفر من العجوة، أما الرطب الناضج كثيرًا فيذوب بعد تجفيفه ولا يعطي كميات كبيرة من العجوة، كما أن استخدام الرطب على هذه الحالة يضمن أن الرطب لم يفسد إذا ما ترك مدة طويلة، "لذا يجب التأكد من صلاحيتها حتى لا تسبب تعفنًا أو تسوسًا في العجوة".

ومن المعلوم أن الرطب من الأطعمة سريعة التحمض بفعل بكتيريا تحتوي عليها الثمرة والتي إذا ما تكاثرت بفعل سوء التخزين أو تعرضها للهواء أوقاتًا طويلة يجعل الثمرة على درجة عالية من الحموضة.

وتشرح مراحل صناعة العجوة بدءًا من تجفيف ثمار البلح ونزع النوى منه بعد تقشيره وتجفيفه تحت أشعة الشمس، ومن ثم وضعه في الفرن.

وبعد إتمام هذه الخطوات بشكل صحيح لا تحتاج أبو سمرة إلى وضعه في الثلاجة، إلا إذا أرادت تخزينه لبضع سنوات، فحينها يتم تفريزه في الثلاجة لتتمكن من حفظه أطول مدة ممكنة.

وتلفت إلى لجوء الأسر في السنوات الماضية إلى تحميص العجوة عبر فرن الطينة، وطحنها باستخدام الساطور "البلطة".

ومن التراث الفلسطيني لمنتوجات البلح صناعة المربى من البلح الأحمر، والدبس من الرطب فيما يعرف بدبس التمر، وهناك أكلات شعبية أيضًا في موسم صناعة العجوة كإعداد طبق البيض مع العجوة، وعمل فطائر بالعجوة، أو البلح الأحمر المشوي.

وتحاول أبو سمرة وصف الجو العائلي والتعاون بين أفراد العائلة، "الجميع يساعد بعضه بعضًا لمدة أسبوع ونحن نفترش الأرض في عمل الرطب والعجوة، ونبيع الفائض منها، ولكن على مدار العام نصنع الكعك والمعمول ما دام العجوة متوفرة، فلا يقتصر إعداده على موسم عيد الفطر كما بعض العائلات".

استغناء على التجاري

أما آلاء نصار (41 عامًا) من سكان دير البلح، فباتت تلجأ في الآونة الأخيرة لصناعة العجوة لضمان سلامتها ونظافتها بعد تجارب سيئة عايشتها مع بعض المنتجات التجارية.

وتقول إنها تعكف على صناعة العجوة بيديها وتحت إشرافها، رغم الجهد والتعب الذي تتكبده وأبناؤها.

وتلفت إلى أن من الأخطاء التي تقع فيها بعض السيدات غسلهن الرطب قبل تقشيره، فتظهر عليه بعد وقت قصير العفن والتحميض، ولكن يمكن خلال تقشير الرطب غسل اليدين وتنشيفهما جيدًا.

وتتقاسم نصار وأبناؤها الأدوار في عمل العجوة، إذ تعمل هي وابنتها الكبرى في تقشير البلح ونزع النوى منه، على حين يتولى الصغار مهمة رصها في الصواني رصًّا مرتبًا، ليتم وضعها فيما بعد تحت أشعة الشمس في مكان نظيف بعيدًا عن الحشرات والقوارض.

وتوضح أنه إذا ما كانت أشعة الشمس صيفية حرارتها عالية فإن التجفيف يحتاج إلى يومين، ولو كانت عكس ذلك فيحتاج لأربعة أيام، ومن ثم تطحن وتوضع في الفرن للتعقيم، ولاحقًا تغلف ويفرغ منها الهواء، وتخزن في مكان هاوٍ وغير معتم.

وواجهت نصار تجربة سيئة خلال شرائها للعجوة التجارية، حيث وجدت بها بعض النوى والقشور، إلى جانب الحلاوة العالية نتيجة إضافة السكر إلى الرطب، أما العجوة البيتية فهي موفرة ونظيفة وصحية.

وتبين نصار أن معظم العائلات التي تقطن في دير البلح تعكف على صناعة العجوة، واللواتي ليس لديهن شجر النخيل يعكفن على زراعته، وشراء البلح وتحويله لرطب وعجوة.