يعكس الواقع الميداني في قطاع غزة قفزات غير مسبوقة في أسعار السلع الأساسية، تجاوزت في كثير من الأحيان قدرة المواطنين على الاحتمال، وذلك مع توقف شبه كامل للمساعدات الإنسانية وتراجع دور المؤسسات المجتمعية، ما دفع غالبية الأسر، ولا سيما الفقيرة منها، إلى حافة الفقر المدقع والعوز الشديد.
ويعبّر المواطن خالد أبو شمالة، وهو موظف متقاعد، عن حجم المعاناة التي يواجهها المواطنون نتيجة الارتفاع المتواصل في أسعار السلع الأساسية، مؤكدًا أن هذه الزيادات باتت تفوق قدرة مختلف شرائح المجتمع، خاصة ذوي الدخل المحدود والمتقاعدين، على تلبية احتياجاتهم اليومية.
وأوضح أبو شمالة لـ "فلسطين أون لاين" أن بعض السلع التموينية، مثل السكر والزيوت والحبوب، شهدت خلال الفترة الماضية انخفاضًا نسبيًا، إلا أن هذا التراجع ظل محدودًا ومؤقتًا، ولم ينعكس على مجمل السلع المطروحة في الأسواق، إذ ما تزال أسعار العديد من المواد الأساسية والاستهلاكية عند مستويات مرتفعة ولافتة.
وأضاف أن حالة من الفوضى وعدم الاستقرار السعري تسيطر على الأسواق، حيث تشهد الأسعار قفزات مفاجئة وغير مبررة، لا سيما في أسعار الفواكه والملابس، التي ترتفع من حين إلى آخر دون أسباب واضحة، ما يزيد من الأعباء المعيشية ويعمّق معاناة المواطنين اليومية.
وفي السياق ذاته، يسلّط المواطن شريف أبو عابدة الضوء على الارتفاع الحاد في أسعار مستلزمات الطاقة الشمسية والبطاريات، معتبرًا أن هذه الزيادات شكّلت عبئًا إضافيًا على كاهل المواطنين، خصوصًا في ظل التوجّه القسري نحو الاعتماد على الطاقة البديلة لمواجهة الانقطاع المزمن للكهرباء.
وأوضح أبو عابدة أن أسعار الألواح الشمسية والبطاريات ومستلزماتها ارتفعت بصورة غير مبررة خلال الفترة الأخيرة، ما حدّ من قدرة العديد من الأسر على تركيب أنظمة جديدة أو حتى صيانة الأنظمة القائمة، رغم الحاجة الماسّة إليها بوصفها مصدرًا شبه وحيد للكهرباء في كثير من المناطق.
وأضاف أن هذا الارتفاع يتناقض مع واقع المواطنين واحتياجاتهم الأساسية، مطالبًا الجهات المختصة بتكثيف الرقابة على الأسواق وضبط الأسعار، وتقديم تسهيلات أو أشكال دعم من شأنها تخفيف العبء عن المواطنين وتشجيع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.
من جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أن آلية إدخال البضائع المفروضة حاليًا على قطاع غزة لا يمكن فصلها عن سياسة اقتصادية قسرية وممنهجة ينتهجها الاحتلال، تهدف إلى إحكام السيطرة عبر أدوات السوق، وليس فقط من خلال القوة العسكرية.
وأوضح أبو قمر أن ما يجري يتجاوز مفهوم تنظيم التجارة أو إدارة المعابر، ليتحوّل إلى احتكار صريح تتحكم فيه أربع شركات تابعة للاحتلال بمسار السلع وكمياتها وأسعارها، ما يعني فعليًا مصادرة القرار الاقتصادي الفلسطيني، وتحويل السوق الغزي إلى سوق تابع ومقيّد يخدم اقتصاد الاحتلال.
وأشار إلى أن أخطر ما في هذه المنظومة يتمثل فيما يُعرف بـ«التنسيقات»، وهي رسوم مالية باهظة يفرضها الاحتلال على الشاحنات الداخلة إلى قطاع غزة، تتراوح بين 300 ألف و900 ألف شيكل للشاحنة الواحدة، مؤكدًا أن هذه التكاليف لا يتحملها التجار، بل تُنقل مباشرة إلى المستهلك النهائي، لتترجم ارتفاعًا حادًا في الأسعار يدفع ثمنه المواطن الغزي الذي يعيش أصلًا تحت خط الكفاية وفي ظروف إنسانية قاسية.
وأضاف أبو قمر لـ"فلسطين أون لاين" أنه رغم الحديث عن اتفاقات تسمح بإدخال نحو 600 شاحنة يوميًا، فإن الاحتلال لا يلتزم فعليًا سوى بإدخال ثلث هذا العدد في أفضل الأحوال، لافتًا إلى أن معظم الشاحنات التي يُسمح بدخولها تحمل بضائع تجارية، مقابل كميات محدودة جدًا من المساعدات الإنسانية.
وبيّن أن نوعية البضائع الداخلة لا تلبي احتياجات السكان الأساسية، حيث تُغرق الأسواق بسلع منخفضة الجودة والقيمة، في الوقت الذي تستمر فيه القيود المشددة على إدخال مواد الإيواء والمواد الخام والمدخلات الإنتاجية القادرة على إعادة تحريك عجلة الاقتصاد.
وختم أبو قمر بالتأكيد على أن الاحتلال، عبر هذه السياسات، جمع من قطاع غزة أكثر من مليار دولار خلال عامَي الحرب من خلال تجارة مفروضة بالقوة، معتبرًا أن ما يجري يشكّل نهبًا منظمًا تحت غطاء التجارة، واستخدامًا ممنهجًا للسوق كأداة للعقاب الجماعي.

