فلسطين أون لاين

تقرير غموض يلفّ 50 مليون دولار لمشاريع المياه في غزة بعد الحرب

...
صورة من الأرشيف
غزة/ رامي رمانة:

تواجه منحة الصندوق الكويتي للتنمية، البالغة قيمتها 50 مليون دولار، المخصّصة لإصلاح شبكات المياه وحفر الآبار في قطاع غزة، حالة من الغموض بعد الحرب الأخيرة التي عطّلت تنفيذ مشاريع حيوية وأساسية.

وبينما تؤكد جهات رسمية تمديد المنحة حتى نهاية عام 2027 لضمان استمرار الخدمات الأساسية، تشكو شركات مقاولات محلية من فسخ عقودها، ما يفتح الباب أمام تبعات قانونية ومالية جسيمة، ويزيد المخاوف من تفاقم أزمة المياه في القطاع.

طالع أيضًا: بعد قطع خط “ميكروت” نقص المياه في مدينة غزة ينذر بكارثة صحية وبيئية وشيكة

وفي محاولة لتبديد المخاوف بشأن سحب التمويل، أكّد وزير الأشغال العامة والإسكان، عاهد بسيسو، أن الصندوق الكويتي وافق رسميًا على تمديد المنحة الخاصة بمشاريع غزة حتى نهاية عام 2027، بعد أن كان من المقرر انتهاؤها في نهاية عام 2025.

وأوضح بسيسو في تصريح له أن الأموال لا تزال مرصودة ضمن خطة سلطة المياه لإعادة تشغيل الخدمات الأساسية، مشددًا على أن المنحة مخصّصة حصريًا لقطاع غزة.

8b5a4945-2eed-4061-9156-309d64171472.jpg
وزير الأشغال العامة والإسكان في حكومة السلطة الفلسطينية عاهد بسيسو

ورغم هذه الطمأنات الرسمية، يسود امتعاض واسع في أوساط الشركات والمقاولين في غزة، عقب إقدام سلطة المياه على فسخ تعاقدات قائمة لتنفيذ هذه المشاريع.

وبرّرت الشركات مخاوفها بأن فسخ العقود جاء على خلفية أنباء عن سحب المنحة، ما يضع المقاولين أمام خسائر قانونية ومالية جسيمة.

وعلّق الوزير بسيسو على هذا التضارب، مشيرًا إلى أن إدارة العقود من اختصاص الجهة المشترية، أي سلطة المياه الفلسطينية، مؤكدًا أن بنود العقود المبرمة كفيلة بحفظ حقوق جميع الأطراف. وأضاف أن السلطة تمتلك خططًا مستقبلية تضع مشاريع المياه في غزة على رأس أولوياتها فور تحسّن الظروف الميدانية.

من جهته، أوضح مسؤول في أحد تحالفات شركات المقاولات التي رسا عليها عطاء المشروع – فضّل عدم ذكر اسمه – أن الخلاف يتمحور حول البند القانوني الذي سيتم بموجبه فسخ العقود.

طالع أيضًا: بلدية غزة لـ"فلسطين": نواجه أزمة عطش حادة.. ونطالب بتوفير مستلزمات خدمات المياه

وبيّن لصحيفة "فلسطين" أن سلطة المياه تسعى إلى فسخ العقود استنادًا إلى البند (18.5) من اتفاقية «فيديك»، والذي يحصر حقوق الشركات في استرداد رسوم الكفالات البنكية والتأمين فقط.

وأضاف أن المقاولين يتمسكون بتطبيق البند (15.5)، الذي يضمن لهم التعويض الكامل عن جميع الخسائر والنفقات التي تكبّدوها خلال فترة الحرب، بما يشمل تجهيز المواقع، ورواتب المهندسين، والمشتريات المسبقة للمشاريع.

وأشار إلى أن الشركات قامت بتجديد الكفالات البنكية طوال عامين ونصف في انتظار التنفيذ، محذرًا من أن إصرار سلطة المياه على استرجاع الدفعة الأولى من المنحة، المقدّرة بين 20 و25 مليون دولار، دون تعويض المقاولين، قد يؤدي إلى خروج شركات كبرى من السوق الفلسطيني نتيجة الخسائر المالية الفادحة.

بدوره، اعتبر الخبير الاقتصادي محمد أبو جياب أن سحب تمويل مشاريع سلطة المياه في قطاع غزة يُعد تطورًا مقلقًا على المستويين التنموي والاقتصادي، لا سيما في ظل الظروف الإنسانية غير المسبوقة التي فرضتها الحرب.

وأوضح لصحيفة فلسطين أن هذه المشاريع لم تكن ترفيهية أو قابلة للتأجيل، بل تندرج ضمن البنية التحتية الحيوية المرتبطة مباشرة بالأمنين المائي والصحي للسكان، وكانت ستسهم في التخفيف من حدّة أزمة المياه المتفاقمة، خاصة بعد التدمير الواسع الذي طال الشبكات والآبار القائمة.

4937cf0c0acaaa202f572d1943e1f84c.jpg
الخبير الاقتصادي محمد أبو جياب

وأشار أبو جياب إلى أن اللافت في قرار السحب هو غياب توضيح رسمي بشأن آليات إعادة توجيه التمويل، أو ما إذا كان الصندوق يعتزم لاحقًا إعادة تمويل المشاريع نفسها بهيكلية مختلفة تتلاءم مع مرحلة الطوارئ أو إعادة الإعمار، أو وفق أولويات جديدة فرضتها تداعيات الحرب. واعتبر أن هذا الغموض يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة تتعلق بالحوكمة التمويلية واستدامة التدخلات التنموية في البيئات الهشّة.

ومن الناحية الاقتصادية، حذّر أبو جياب من أن سحب التمويل بعد شروع شركات محلية أو إقليمية في تنفيذ الأعمال يترتب عليه تبعات قانونية ومالية خطيرة، أبرزها ضياع حقوق الشركات، وتحميل الاقتصاد المحلي خسائر مباشرة في فرص العمل والدخل، إضافة إلى إضعاف ثقة القطاع الخاص بالمشاريع الممولة دوليًا مستقبلًا.

وختم بالقول إن هذا القرار يعكس إشكالية أوسع في كيفية تعامل الجهات المانحة مع المخاطر السياسية والأمنية، حيث غالبًا ما تكون القطاعات الخدمية الأساسية أولى ضحايا هذه القرارات، رغم كونها الأكثر إلحاحًا للسكان.

من جانبه، حذّر خبير الإسكان والبنية التحتية محمد العسكري من تفاقم الأزمة المائية في قطاع غزة، واصفًا إياها بأنها واحدة من أخطر الأزمات المائية في العالم، حتى قبل الحرب الأخيرة، إذ إن أكثر من 95% من المياه الجوفية غير صالحة للشرب.

وأوضح العسكري لـ"فلسطين" أن السنوات الماضية شهدت تركيزًا على تنفيذ حلول استراتيجية متوسطة وبعيدة المدى، أبرزها إنشاء محطة تحلية مركزية وسط القطاع، إلى جانب خطوط ناقلة وخزانات مياه تُغذّى من مصادر متنوعة، وقد جرى رصد تمويلات ومشاريع لهذه الغاية ضمن خطط واضحة.

82447d25-f438-4e25-b397-2897340ca561.jpg
خبير الإسكان والبنية التحتية محمد العسكري

وأشار إلى أن الحرب الأخيرة فاقمت الوضع بشكل غير مسبوق، بعد تدمير نحو 80% من البنية التحتية للمياه، بما يشمل شبكات التوزيع، والآبار، ومحطات التحلية، ما جعل المياه الصالحة للاستخدام البشري موردًا نادرًا، ليس بسبب الندرة الطبيعية فحسب، بل نتيجة التدهور المزمن في البنية التحتية، والقيود التشغيلية، وتعطّل الاستثمارات الحيوية.

وفيما يتعلق بالحديث عن تجميد أو إعادة توجيه تمويلات مشاريع المياه المخصّصة قبل الحرب، بما فيها المنحة الكويتية، أكد العسكري أن اختلاف الصيغة الإجرائية للقرار – سواء كان سحبًا أو تجميدًا أو تأجيلًا – لا يغيّر من أثره العملي على الأرض، والمتمثل في تعميق الانهيار المائي، وتحميل المجتمع كلفة إنسانية لا يمكن احتواؤها في ظل استمرار الحصار، ومنع إدخال المواد والمعدات وقطع الغيار، ونقص الوقود، رغم اتفاق وقف إطلاق النار.

Na4St (1).jpg
 

وأضاف أن هذا الواقع يدفع المواطنين إلى الاعتماد على مصادر مياه غير صحية وغير آمنة، ويضع البلديات في حالة عجز كامل عن تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية للسكان.

وشدد العسكري على أن الحل العاجل يتمثل في إعادة تفعيل هذه التمويلات، ولو بصيغ معدّلة أو مرحلية، مؤكدًا أن المياه ليست مشروعًا تنمويًا قابلًا للتأجيل، بل خدمة منقذة للحياة لا تحتمل أي تعطيل.

وختم بالقول إنه ورغم أن الصندوق الكويتي للتنمية قدّم تدخلات خلال الحرب في قطاع المياه بقطاع غزة، فإن حجم الاحتياجات الإنسانية والدمار الواسع في البنية التحتية المائية يتطلب استمرارية التمويلات المخصّصة للمشاريع الاستراتيجية، وعدم الاكتفاء بالتدخلات الطارئة.

المصدر / فلسطين أون لاين