تقرير بالموسيقى والريشة.. هكذا أرخ فنانون لصفقة الألف أسير

...
غزة/ هدى الدلو:

يجمع فانون على قوة الرسالة الفنية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي باعتبار الفنون السمعية والبصرية والحركية شكلًا من أشكال المقاومة، لكن الرسم والغناء لصفقة "وفاء الأحرار" كان بمنزلة تأريخ لحدث نضالي سيخلده التاريخ يوم كسرت المقاومة قضبان السجون الإسرائيلية في أكتوبر 2011.

رسام الكاريكاتير المبدع د. علاء اللقطة تتناول صفقة تحرير أكثر من ألف أسير بطريقة مباشرة وغير مباشرة، ففي إحدى رسوماته يصور الأسير كحمامة سلام فكت قيدها عنوة من قادة الاحتلال وكتب عليها "صفقة الأسرى تكسر لاءات الاحتلال"، في إشارة إلى إذعان الاحتلال لمطالب المقاومة بتحرير أسرى قتلوا جنودًا ومستوطنين، تصفهم دولة الاحتلال بـ"الأسرى الأمنيين" ويقضون أحكامًا بالسجن المؤبد عدة مرات وبعضهم مدى الحياة.

وفي رسم آخر، تظهر البندقية كمرشد يخط الطريق للفلسطيني وأنه لا سبيل لمواجهة الاحتلال إلا بها من أجل تحرير الأسرى والمسرى، وغيرها من الرسومات.

ويتحدث اللقطة عن توظيف فن الكاريكاتير في خدمة وإعلاء القضايا الوطنية ومفهوم المقاومة، ويقول: "حاولت توظيف هذه الخاصية الأساسية للكاريكاتير كفن سياسي ساخر للسخرية من جيش يدعي أنه لا يقهر وأنت تراه يخضع لشروط المقاومة بأدواتها البسيطة وإمكاناتها المتواضعة تحت الحصار مقارنة بترسانة كاملة لجيش مجهز بأحدث المعدات ومدرب على تقنيات عالية في القتال وأجهزة استخباراتية مطورة.

ويضيف لصحيفة "فلسطين": "هذه المعادلة تعد هدفًا سهلًا وصيدًا ثمينًا للريشة، تطرب بالرسم عنه، ومن ناحية أخرى فرصة لتسليط الضوء على خيار المقاومة كخيار صائب ووحيد لمواجهة المحتل ورادع له بالمقارنة مع المفاوضات العبثية التي تجريها السلطة مع المحتل لنيل الحقوق الفلسطينية".

ويلفت اللقطة إلى الفن كقوة ناعمة توظف إلى جانب القوة الخشنة للتأكيد أن الحقوق تنتزع ولا تستجدى وأن الاحتلال لا يفهم إلا لغة القوة، مؤكدًا أن غياب صاحب الفن عن هذه القضايا أو إهماله لها يأخذ من رصيده الفني، إذ يجب عليه أن يكون حاضرًا في فضح الشخصية العسكرية الإسرائيلية الهزيلة التي تفتقد روح القتال الحقيقية والمواجهة من نقطة الصفر لانعدام الدوافع الوطنية والعقائدية التي تدفعها للشجاعة والتضحية، "لا يقاتلونكم إلا من وراء جدر".

ولم يفُت اللقطة في رسوماته الكاريكاتورية عن إحياء يوم الصفقة الوطني، التركيز على الجانب الأخلاقي للمقاومة في معاملة الجندي الأسير والحفاظ على حياته وعدم التنكيل به وفقًا لتعاليم ديننا الحنيف، إلى جانب رفع الروح المعنوية للشعب الفلسطيني وللشعوب الحرة التي تناصر الشعب الفلسطيني على أن رحلة التحرير للإنسان والأرض باتت أقرب من أي وقت مضى.

مسؤولية فنية ثقيل

"أول ما بدينا على النبي صلينا.. وحركنا إيدينا.. وألف السلام عليكم.. جينا اليوم نهنيكم.. نهنيكم ونحييكم.. وبالعارضة الشامية.. ونحن يا الفلسطينية ما نترك أسرى الحرية.. في سجون الملاعين.. نقتل نخطف لا ما نهاب لنحرر آخر سجين".. بهذه الكلمات صدحت حنجرة المنشد حمزة أبو قينص ابتهاجًا بإتمام "وفاء الأحرار" في عامها الأول.

الفنان أبو قينص يقول لصحيفة "فلسطين": "مثلي مثل أي فنان فلسطيني يقع على كاهلي حمل ثقيل وأمانة تستوجب علينا أن نكون فيها حاضرين في كل الأحداث الفارقة في صراعنا مع الاحتلال الصهيوني، إذ إن الفنان الفلسطيني تحديدًا دون غيره يكون أصدق مَن يشرح آلام الشعب وأصدق من يترجم فرحتهم بكلمة ولحن وغناء".

وكان لأبو قينص مشاركة فنية في إنتاج كليب "عرس الأحرار" الذي أنتج بشكل خاص للصفقة في ظروف أشبه بالمعجزة، إذ كتبت الأغنية الوطنية ولحنت وأنتجت في ظرف يومين فقط، وكانت بمنزلة زفة للأسرى الأبطال الذين قهروا السجان وخرجوا رافعي الرؤوس عاليًا.

ويضيف: "صفقة وفاء الأحرار من أجمل ما أنجبت السياسة حتى هذه اللحظة، فهي بمنزلة العرس الكبير الذي ما زلنا نتمتع بجماله كلّما أطل علينا بطل ممن الأبطال الذين انتزعت المقاومة حريتهم، وأجبرت العدو صاغرًا على إطلاق سراحهم فهم اليوم قادة العمل المقاوم، وهم اليوم الند القوي للعدو في مضمار السياسة".

ويوصل رسالة للعالم أجمع أنهم أصحاب الحق، والحق لا يسقط بالتقادم، وإن لم يحالف الحظر جيله في التحرير والصلاة والمسجد الأقصى فسيكون ذلك قريباً على يد أبنائهم، "فنحن سنقاوم بكل الوسائل التي نستطيع، رسالتنا هي الفن المقاوم الذي يسعد له أبناء شعبي ويغتاظ منه أعداء وطني، ولن نكون أبدًا إلا سيفًا مصلتًا للحق ونسأل الله الثبات".

رسالة للأجيال

أما الأسير المحرر ضمن صفقة وفاء الأحرار، المنشد مصعب الهشلمون من مدينة الخليل، فيقول إنه أيقن منذ اللحظة الأولى أهمية دوره كفنان في التغني بالصفقة وللأسرى الذين تركهم خلفه في السجون في الساعات الأخيرة لمغادرة أرض السجن التي خيل إليه يومًا أن عمره سيفنى عليها.

وكان الهشلمون يقضي حكمًا بالسجن 17 مؤبدًا قضى منها 8 سنوات، وأفرج عنه شرط إبعاده إلى قطاع غزة.

وفي أثناء الإعداد للصفقة، أنشد الهشلمون لزملائه في الأسر لرفع روحهم المعنوية والخروج من حالة الخوف والترقب، مؤكدًا أهمية الأغنية الوطنية للأرض والإنسان والفعل المقاوم، وليواجه نظرة المجتمع للأسير الفلسطيني بأنه لا ينكفئ على ذاته بل يكمل الطريق الذي بدأه.

ويشير الهشلمون إلى الأعمال الفنية تؤدي رسالة مفادها بأن الشعب الفلسطيني هو الشعب الأحرى به أن يعيش على أرض فلسطين، ويحمي المسجد الأقصى، فهو ينشد للكل الفلسطيني وبلون مختلف.

ويبين أن هذا العمل المشرف الذي خاضت المقاومة غماره وتوجته بصفقة تبادل أسرى، جميل أن تتغنى به الأجيال على مدار التاريخ، ويتحدث به الأدباء والشعراء والفنانون والرسامون كل بالطريقة التي تحلو له.