فلسطين أون لاين

تقرير مساجد مدمرة وأئمة شهداء.. هكذا استهدف الاحتلال البنية المجتمعية في غزة

...
مسجد دمره الاحتلال خلال حرب الإبادة الجماعية
غزة/ نبيل سنونو

بعد أكثر من عامين على حرب الإبادة، يفتقد المواطنون في غزة مئات المساجد التي دمرها الاحتلال كليا أو جزئيا، وكانت بمثابة منارات مجتمعية يصلون فيها ويتعلمون القرآن وعلومه ويعقدون مناسباتهم الاجتماعية في رحابها، خصوصا في شهر رمضان المبارك.

وامتدت الاستهدافات الإسرائيلية المنهجية لتطال أيضًا مئات الأئمة والموظفين في وزارة الأوقاف بغزة، الذين كانوا يؤدون أدوارا مختلفة في تعليم وتوجيه وإرشاد المجتمع.

"تربيت وتعلمت الصلاة فيه.."، بهذه الكلمات يجسد طارق الجاروشة (37 عاما) ارتباطه بالمسجد المجاور لمنزله بمدينة غزة، والذي تحوّل إلى ذكرى بعدما دمره الاحتلال بشكل شبه كلي في خضم الحرب.

ويبدي الجاروشة في حديثه مع "فلسطين أون لاين " حزنه على تدمير مسجد السوسي القريب من مفترق السامر بغزة، والذي كان يتردد إليه مع والده منذ نعومة أظفاره، قائلا: منذ أن بدأت المشي كان أبي يصطحبني إلى المسجد نصلي ونجلس فيه، ولنا في كل ركن ذكرى.

ويفيد بأن الاحتلال قصف المسجد بثلاثة صواريخ دون سابق إنذار خلال الحرب. ويضيف أن طفله البالغ 15 عاما حفظ 12 جزءا من القرآن الكريم في المسجد ذاته قبل تدميره.

اقرأ أيضًا: خلال الإبادة الجماعيَّة... الاحتلال يقتل ثلاثة أئمَّة لمسجد واحد في غزَّة

والآن لا يزال الطفل يحافظ على تعلم كتاب الله في مصلى مقابل للمسجد، إذ يواظب الجاروشة على التنشئة السليمة لابنه كما فعل معه والده في صغره، معربا عن أمله في إعادة إعمار المسجد قريبًا.

ويعتقد الجاروشة أن الاحتلال قصف المساجد وقتل الأئمة للتأثير في التنشئة والتوعية الدينية والمجتمعية الصحيحة في غزة.

وهكذا، لا يقتصر الضرر على ذكرى الجار فقط، بل يمتد ليشمل مئات المساجد والأئمة الذين كانوا يشكلون قلب الحياة الاجتماعية والدينية في غزة.

ويفيد المدير العام للمديريات في وزارة الأوقاف بغزة أمير أبو العمرين بأن الاحتلال دمر خلال حرب الإبادة 1050 مسجدًا كليا و200 مسجد جزئيا، كما قتل 500 موظف بين إمام ومحفظ وإداري، يضاف إليهم دعاة من كثير من المؤسسات الشرعية والمجتمعية في غزة وإن لم يكونوا محسوبين مباشرة على الوزارة.

wxDAl.jpg

المدير العام للمديريات في وزارة الأوقاف بغزة، أمير أبو العمرين

ويقول أبو العمرين لـ "فلسطين أون لاين"، إن الاحتلال لا يريد أن يبقي أثرًا في قطاع غزة لشيء من معالم الحياة، ولا يريد للمواطنين أن يكونوا في هذه الأرض، مبينا أن الاستهداف طال البشر والحجر.

ويوضح أن المساجد لها رمزية ودلالة كبيرة لدى الفلسطينيين، فهي بيوت العبادة ودور الله في الأرض، ومكان تجمعهم وشكواهم على ظلم العالم وتخاذله أمام ما حل بهم.

ويضيف أن المساجد تعني التوادد والاعتصام بحبل الله والالتقاء على الدين السليم والعقيدة الصحيحة وفيها يُنشّأ الجيل على حفظ القرآن وتعلم معاني الإيمان، لذلك فإن الاحتلال استهدف المساجد منهجيا من اللحظات الأولى للحرب.

5834423870453124406.jpg

ويرى أن هدف الاحتلال يتمثل في حرف بوصلة الأجيال في قطاع غزة وحرفهم عن دينهم وتمسكهم بربهم، "لكن أنّى له ذلك مع جيل يؤمن بالله ويحفظ القرآن".

ولا يزال الاحتلال يمنع إدخال مواد البناء اللازمة لإعادة إعمار ما دمره خلال الحرب، بما في ذلك المساجد، وهو ما يعد انتهاكا لاتفاق وقف الحرب الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وفي ظل هذا الواقع تعمل وزارة الأوقاف على إنشاء مصليات بأدوات بدائية.

ضرب البنية المجتمعية

من ناحيته، يؤكد مفتش المساجد في مديرية أوقاف غزة محمد أبو حصيرة أن الهدف الحقيقي للاحتلال من استهداف المساجد ليس الحجارة فقط، بل الجيل الذي تربى في بيوت الله، وضرب البنية المجتمعية التي خرّجت الشباب الذين قاوموا الاحتلال ورفعوا رأس الأمة.

ويضيف أبو حصيرة لـ "فلسطين أون لاين"، أن هذه المساجد هي التي تخرج منها العلماء في جميع المجالات وخرّجت هذا المجتمع المحافظ على دينه والمثقف والمتعلم، مردفا: هذه هي البنية المجتمعية في مراكز التحفيظ ودورس الوعظ وخطب الجمعة التي احتضنت الناس في هذه البلد المباركة.

وفي شهر رمضان، يفتقد المواطنون هذه المنارات المجتمعية، بينما يسعون للحفاظ على الجيل الجديد عبر مواصلة التعلم وممارسة الشعائر الدينية وسط الركام، ليظلوا حراسًا على نسيج البنية المجتمعية رغم محاولات الاحتلال زعزعتها.

المصدر / فلسطين أون لاين