بطوق المحبة.. هكذا استقبل الطلبة مديرهم بعد تقاعده

...
صورة أرشيفية
غزة/ مريم الشوبكي:

مجرد أن لمح طلاب مدرسة جعفر بن أبي الطالب الأساسية للبنين شرق غزة المدير داخل السيارة؛ تعالت هتافاتهم: "المدير إجا.. المدير إجا"، طوقوه بمحبتهم وتسابقوا إليه أفرادًا وجماعات لمصافحته لدى عودته ضيفًا بعد تقاعده قبل نحو شهرين.

كان المشهد مهيبًا ومؤثرًا، تساقطت معه دموع خالد العطار، الذي تفاجأ بحفاوة الاستقبال الذي بادر إليه الطلبة عفويًّا.

العطار (60 عامًا) يقطن في دير البلح وسط قطاع غزة، ويعمل في سلك التعليم منذ عام 1996م، امتهن التدريس مدة عشر سنوات قبل أن يصبح مديرًا للعديد من مدارس البنين، حتى استقر به الحال في مدرسة جعفر حيث اختتم حياته المهنية بعد خمس سنوات غير عادية أمضاها برفقة الطلبة والمدرسين.

العطار لم يكن مديرًا تقليديًّا ولم يمارس مهامه من وراء مكتبه، فلم يمسك العصا يومًا والصوت العالي لم يكن في قاموسه، كما يقول.

اعتاد كل صباح الوقوف على باب المدرسة لاستقباله الطلاب، يلقي تحية الصباح عليهم، ويحنو عليهم ويمسح على رؤوسهم ويربت على أكتافهم، يقف بينهم في الطابور، ثم يسير معهم إلى صفوفهم يسألهم عن حاجاتهم وشكواهم ومشاكلهم.

إذا شعر بحزن أحدهم كان العطار لا يتوانى عن سؤاله عن سببه، حتى إنه يتدخل في إصلاح علاقة أي طالب بعائلته بعد أن يبوح له بشكواه.

كان العطار أبًا لطلابه، فلم تجده يومًا يعاقب طالبًا بسبب تدني تحصيله الدراسي، أو سلوك غير سوي بدر منه، فكان يكتفي بجملة: "أنا زعلان منك وما بدي أكلمك"، فيأتيه الطالب مرغمًا يطلب منه السماح ويعده بترك هذا السلوك.

التعامل مع طلاب المرحلة الابتدائية هل كان سهلًا على العطار؟ يجيب: "المرحلة الابتدائية من أصعب المراحل تعاملًا، ولكن في الوقت نفسه تستطيع السيطرة عليهم بالكلمة الطيبة، ومن السهل أن تغرس في نفوسهم كل المفاهيم الإيجابية".

شعر العطار بعد حفاوة الاستقبال بثمار زرعه، ما ترك يقينًا بداخله أن "حب الطلاب لمدرسهم أو مديرهم عمل تراكمي يبنى على المعاملة الحسنة والإحسان إليه".

يقول: "كنت حين أعاقب طالبًا يؤنبني ضميري؛ فأستدعيه إلى مكتبي الخاص، وأشرح له سبب العقاب، وأن الهدف ليس توبيخه بقدر السعي إلى الرقي بسلوكه وأفعاله".

ولدى العطار أيضًا عين ناقدة ومتابعة لشخصية طلابه، إذ دأب على إشراك بعضهم في أنشطة مدرسية يجدون أنفسهم بها، من أجل تعزيز شخصياتهم ودعمهم معنويًّا.

كذلك تمتع العطار بعلاقة وطيدة مع المعلمين العاملين في مدرسته، ويوضح أنه بنى العلاقة الإدارية مع المدرسين على أساس أخوي أينما حل، قائلًا: "فلم أتعامل بتسلط يومًا، أستخدم النصيحة منهجًا إداريًّا وأعينهم على الإشكالات التي تواجههم (...) بعضهم بكى على فراقي".

وخرّج العطار العديد من الأجيال، ومنهم ما زال يتواصل معه ليشكره على الأثر الجميل والإيجابي الذي تركه في شخصيته ولازمه حتى شبابه.

"الإنسان ذكرى" بهذا يختم العطار حديثه، ناصحًا أعضاء الهيئة التدريسية بأن يكونوا قريبين من طلابهم، لأن العمل له نهاية، ولكن الذكرى تبقى طول العمر، لذا كانت وصيته لهم أن اجتهدوا في ترك ذكرى عطرة تفوح على مر الأزمان.