هذا ما يحدث عند غيرنا

ارتفعت معدّلات الأعمار في الدول المتقدّمة أكثر من عشر سنوات عن تلك المسجّلة في دول العالم النامية، حتى أنّ دولاً تفكّر في رفع سنّ التقاعد إلى 75 عاماً، وليس 65، كما هو معتمد في معظم العالم.

الباحثة في أكاديمية سالفرنيسكا في يوتيبوري في السويد، الدكتورة هيلينا هوردير، وهي متخصصة في العلاج الطبيعي، قدّمت أطروحة دكتوراة حول المسنّين تابعت مجموعة منهم خلال أربعين عاماً، وتوصّلت إلى نتائج مذهلة، إذ قالت: إنّ المسنّين الذين بلغوا من العمر 75 عاماً يتمتّعون بالقدرات نفسها التي يتمتّع بها من هو في الخمسين، وأضافت أنّ حالة كبار السنّ البدنية اليوم أفضل مما كانت عليه قبل 40 عاماً، لكنّها أكّدت أنّ هؤلاء يعيشون القلق ويخشون على مستقبلهم. مصدر القلق مثلما رأته الباحثة، سببه رفضهم الاعتماد على آخرين في تدبير شؤونهم، لهذا راح تفكيرهم ينصبّ على تأمين استقلاليتهم واكتفائهم حتى لا يكونوا عبئاً ثقيلاً على أبنائهم وأحفادهم.

اللافت في الأطروحة أنّ كبار السنّ الذين قابلتهم لا يفكّرون إلا نادراً بالموت، نظراً لانشغالهم بالأنشطة والممارسات اليومية، فهم يقصدون النوادي الرياضية للحفاظ على لياقتهم البدنية، الأمر الذي يساعدهم في الشعور بالسعادة والتمتع بالحياة. وقد أكدت هوردير أهمية المشاركة الجماعية في الرياضة وغيرها، بدلاً من الأنشطة الفردية ذات المردود السلبي.

ما تتحدث عنه من سعادة، له مؤسساته المتكاملة من وزارات معنية ومعها البلديات التي تتضمن برامجها الاجتماعية معاينة ومتابعة كبار السنّ من خلال مسؤولين اجتماعيين. وثمّة تنظيمات مدنية تسعى إلى حفظ دور كلّ واحد في بلوغ العمر المديد والصحة الجيدة. وبالتأكيد ثمّة أيضاً الضمانات التي يحصل عليها كبار السنّ من المؤسسات والأجهزة التي عملوا فيها أو من السلطات المحلية التي يحاسبها الناخبون إذا قصّرت في حقهم.

عندما سئل واحد من أساتذة الجامعة اللبنانيين المتقاعدين عمّا يفعله بعدما تقاعد وقد بلغ 64 عاماً، أجاب: "لا أفعل شيئاً، فقط أنتظر الموت". لماذا ينتظر الموت أن يدق بابه؟ "لقد توجّهت نحو الكلية التي كنت أدرّس فيها وعرضت القيام بأعمال تطوعية تساعد الطلاب في استيعاب المادة وفي كتابة الأبحاث المطلوبة منهم وتعريفهم على المراجع والمصادر، كذلك عرضت عليهم المساعدة في تنظيم ورش عمل وحلقات نقاش ومؤتمرات فلم يقبلوا، وعليه، بدا لي أنّ خبراتي الأكاديمية والبحثية العريضة غير مرغوب فيها". أليس هذا عاملا إضافيا في حلقة التخلف التي ندور فيها على نحو قاتل؟

هذا الأستاذ الجامعي الذي بدا بصحة جيدة، ويستفيد من تأمين صحي وتقاعد مادي جيّد، لم يعش بعد هذا الحديث إلا عامين، فقد أصيب بذبحة قلبية أودت بحياته. بالتأكيد لم يحدث ذلك بفعل الصدفة بل نتيجة التهميش والمهانة، وقد شعر أنّه عبء ثقيل على المجتمع، وجاءت الذبحة القلبية لتكمل الدراما.