لاءات بينيت ولاءات الخرطوم

لم يجرؤ يوما رئيس وزراء إسرائيلي على إعلان موقف سياسي بهذه الوقاحة، في ظل وجود أي إدارة أمريكية، ديمقراطية كانت أو جمهورية، كالإعلان الصادر عن رئيس الوزراء الحالي المستوطن نفتالي بينيت. فقد أعلن بوضوح يحسد عليه لاءاته الثلاث، وهي: أن لا لقاء مع الرئيس الفلسطيني "أبو مازن"، ولا مفاوضات سياسية، كالتي يطالب بها أبو مازن، ولا لدولة فلسطينية مستقلة كالتي يطمح إليها ويعمل من أجلها أبو مازن.

وتذكرنا لاءات بينيت الثلاث بلاءات كان العرب أيام عزهم قد أعلنوها في قمة الخرطوم، مجتمعين على موقف واحد ضد (إسرائيل) . وظلت قمة الخرطوم التي عقدت بعد هزيمة يونيو/حزيران بنحو شهرين تعرف بقمة اللاءات الثلاث، وهي لا صلح مع (إسرائيل)، ولا تفاوض معها، ولا اعتراف بها. ولاءات بينيت لا تأتي من فراغ، بل هناك عدة أسباب:

*أولها: الوهن والتشرذم الفلسطيني، وغياب البدائل الأخرى، أو بالأحرى تغييبها، وأيضا غياب الموقف الصارم، المعتمد على أرضية شعبية وفصائلية ووطنية صلبة، بدلا من المناكفات السياسية، وتغليب المصالح الفردية والفصائلية على المصلحة الوطنية العامة. واستغلال دولة الاحتلال لهذا التشرذم، بمحاولات التركيز على الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، بمبادرات تعمق الخلاف والانشقاق. وفوق ذلك التمسك بالتزامات وأعباء اتفاق أوسلو، الأمنية والسياسية والاقتصادية، التي لا يلتزم بها الاحتلال، رغم قرارات المجالس الوطنية والمركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية الداعية لوقفها.

*ثانيا: غياب الموقف العربي الموحد، وهذا خارج عن النطاق الفلسطيني، خاصة بعد خروج المزيد من الدول العربية بقيادة دولة الإمارات عن الإجماع العام، والتوقيع على اتفاقات تطبيع مشينة مع دولة الاحتلال، في خروج واضح عن مبادرة السلام العربية، رغم أنها من دول الأطراف لا تربطها حدود جغرافية مع دولة الاحتلال.

*ثالثا: الموقف الدولي المائع الذي يكتفي بردود الأفعال اللفظية، ويلعب فيها دور المسكّن، بضخ مزيد من المساعدات المالية المحدودة والمحسوبة لمنع أي انفجار فلسطيني محتمل، ودون أن يمارس الضغوط العملية ومنها التلويح بالعقاب أو فرض العقوبات المستحقة على دولة تتصرف خارج القانون والشرعية الدوليين.

*رابعا: الموقف الأمريكي وهو الأهم، الذي كما هو معروف يتعامل مع دولة الاحتلال كطفل مدلل يعمل ما يحلو له دون رادع أو عقاب أو حتى تأنيب.

لاءات المستوطن الامريكي نفتالي بينيت واضحة غير قابلة للتأويل، ولا تأتي من فراغ. فهي تأتي ضمن مخططه للقضاء على الحلم الفلسطيني والطموحات الوطنية بإقامة دولة مستقلة ذات سيادة على حدود 1967 أو حتى أي حدود. مخطط يقضي بتقليص الصراع وإدارته، مع تنفيذ خطوات تساعد في تحسين الوضع الميداني، والحفاظ على الاحتلال مع أدنى درجات الاحتكاك مع الفلسطينيين، جنبا إلى جنب مع تحسين الأوضاع الاقتصادية والحياتية. يذكر أن بنيامين نتنياهو كان يمارس هذه السياسة، بدون أن يعلن عنها فهو لم يلتق أبو مازن سوى مرة واحدة قبل نحو 11 سنة، تحت ضغوط شديدة من الرئيس باراك أوباما، ولم تتبلور لشيء، وهي خطوة كما يبدو لن يتخذها بايدن.

ويسير بينيت على خطى الإدارات الأمريكية السابقة، وحتى الحالية التي لم تنه يوما مشكلة، ولم تحل قضية عالمية، ليس عجزا منها، بل لأن هذه هي سياساتها الدائمة والثابتة.. إدارة الأزمات لا حلها. والقضية الفلسطينية ليست استثناء، ولن تكون يوما كذلك، رغم أن الحلول السياسية المطروحة حاضرها وماضيها هي طروحات أمريكية.

الجهود السياسية والدبلوماسية التي يبذلها الجانب الفلسطيني، رغم تقديرنا الشديد لها، لم تعد تنفع في شيء فكلها مجربة على مدى سنوات الاحتلال الـ 54 للضفة الغربية، ولم تحرز التقدم المأمول منها على أرض الواقع وتدور في حلقة مفرغة. وهذا يفرض عليها أن تختار طريقا لا ثان له وهو التحرك نحو الداخل الفلسطيني المهمل وغير المستخدمة أدواته بشكل صحيح، وخلق البدائل التي تجعل الصديق قبل العدو يتعاطى معها بجدية أكثر ويحسب لها ألف حساب. نعم يعترف العالم بقضيتنا وعدالتها إلى حد اعتراف 137 دولة من الدول الاعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة في مثل هذ الفترة قبل نحو تسع سنوات، بفلسطين كدولة مراقب. ولم يتطور هذا الإنجاز على أرض الواقع، وبقي الحال على ما كان عليه بسبب وهننا، ورفض واشنطن تمرير مثل هذا القرار في مجلس الأمن. وبقي اسم الدولة الفلسطينية حبرا على ورق، والعقبة الرئيسية والوحيدة هي الولايات المتحدة التي ترفض ممارسة الضغوط على حليفتها والدولة التي تعامل كدولة فوق القانون في كل شيء.

وإذا كان اعتماد القيادة الفلسطينية على الولايات المتحدة، لتحصيل الحقوق الوطنية المتمثلة بإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس الشرقية، فالانتظار سيطول، إن لم يكن سيظل انتظارا دائما من إدارة أمريكية إلى أخرى. فما قاله الرئيس بايدن، في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، يكفي ويبدو وكأنه لحس كل ما تشدق به أثناء الحملة الانتخابية. وما نطق به ليس زلة لسان إنما كفر، وبدون أي منطق يطالب الفلسطينيين بالتحلي بالصبر، وإعطاء بينيت وحكومته الفرصة. ليس هذا فحسب بل زاد على ذلك، ومن على أعلى منبر دولي بالقول، إن حلم الدولتين لم يعد قابلاً للتطبيق في هذه المرحلة «ونحتاج إلى طريق طويلة» لتطبيقه. وأكد ذلك ما قاله مرشحه لمنصب السفير في (إسرائيل) توماس نيدز، الذي أوضح أمام أعضاء الكونغرس مواقفه إزاء القدس، وغيرها من المسائل الملحة المتعلقة بالصراع في الشرق الأوسط. وهي مواقف وسياسات، لا تختلف كثيرا عن سياسات سلفه المستوطن ديفيد فريدمان. وأكد نيدز، خلال جلسة استماع، أن «القدس عاصمة إسرائيل» متعهدا ببقاء السفارة الأمريكية هناك إلى الأبد.. ومشيرا إلى أن جهود إدارة بايدن الرامية لاستئناف عمل القنصلية الأمريكية في القدس «لن تؤثر في كون القدس عاصمة لإسرائيل». وكرر السفير ما قاله بايدن من على أعلى منبر دولي، وهو أن تطبيق حل الدولتين قد يكون مستحيلا في المستقبل المنظور، لكن من المهم إبقاء الباب مفتوحا لتحقيق هذا الحل في المستقبل، ولا أدري عن أي مستقبل يتحدث، داعيا الفلسطينيين والإسرائيليين إلى الامتناع عن اتخاذ خطوات أحادية الجانب من شأنها تقويض ذلك. مساويا بين الضحية والجلاد وكأن لدى السلطة الفلسطينية القدرة على القيام بأي خطوة أحادية الجانب، أمام تواصل الاستيطان ومصادرة الأراضي والقتل الخ.

يبدو أن بايدن ليس على عجلة من أمره. .وبطلبه من الفلسطينيين الانتظار والتحلي بالصبر وكأن 54 عاما ونيف، وهنا نتحدث عن النصف الثاني من نكبة فلسطين، أو ما نسميها نكسة حزيران، وليس النصف الأول المتمثل بنكبة 1948، ليست فترة انتظار كافية، ليطلب منهم مزيدا من الصبر والانتظار والوقت، تكون فيها دولة الاحتلال قد انتهت من ضم الضفة الغربية، أو معظم مناطق ج التي تمثل 60% من الضفة الغربية، وتتركز فيها معظم الخيرات الطبيعية من مياه جوفية وأراض زراعية خصبة، توفر السلة الغذائية الرئيسية للأراضي الفلسطينية ومناطق سياحية وغيرها. ويخدم بايدن بتصريحاته هذه بينيت، فيزيد قدرة حكومته على البقاء، ويخفف من الضغوط التي يفترض أن تمارسها عليه أحزاب اليسار الشريكة في الائتلاف، كما تقول «هآرتس» وكذلك ضغوط المجتمع الدولي التي تظل في حدود الضغوط الكلامية. كما تعطي بنيت وفقا للصحيفة أيضا الوقت الكافي لتطبيق تصوراته لحل المشكلة، بما يسمى بالاحتلال الناعم في الضفة الغربية. وهذا يفسر التغيير المفاجئ في موقف بينيت إزاء التوصل إلى صفقة تبادل أسرى مع حماس، وإبلاغ الحركة عبر مصر برغبته الشديدة بإنهاء ملف تبادل الأسرى كجزء من صفقة أوسع للتوصل إلى تفاهم طويل الأمد، يحول دون انفجار عسكري جديد. باختصار فإن ما يجري الآن هو إحياء للجزء الاقتصادي من صفقة القرن لصاحبها جارد كوشنير مستشار الرئيس السابق ترامب، الذي أعتقدُ أنه كان أقل خطورة على الفلسطينيين من خلفه بايدن الذي ينفذ الصفقة بقفازات ناعمة، كما هي حال كل الإدارات الديمقراطية السابقة.