قراءة في خطاب عباس بالجمعية العامة

تناول الرئيس الفلسطيني محمود عباس في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في اجتماعها الدوري، العديد من القضايا ذات العلاقة بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ولو عدنا لخطاباته في الدورات السابقة سنخلص بأنه لا فرق كثيرًا بين هذه الخطابات سوى تهديده للاحتلال الصهيوني ومنحه مدة عام للانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967م، وإشارته لأحقيته في العودة إلى بلده الأصلية وإلى القرار الأممي 181، وكأنه يلمح إلى رفع السقف السياسي في المرحلة المقبلة، بعد أن وضع رئيس الحكومة الصهيونية نفتالي بينيت لاءاته الثلاثة وهي: أن لا لقاء مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ولا مفاوضات سياسية، كالتي يطالب بها، ولا لدولة فلسطينية مستقلة كالتي يطمح إليها ويعمل من أجلها.

السؤال المطروح: كيف تفاعل الرأي العام مع الخطاب؟ ما دوافع تهديد الرئيس محمود عباس الاحتلال ومنحه مدة عام؟ وهل ممكن تحقيق ذلك؟

كما قلنا في مقدمة المقال، لا جديد في الخطاب سوى ما ذكرناه سابقاً، خطاب استجدائي أطلقه الرئيس محمود عباس في وقت تمر به السلطة الفلسطينية في أسوأ وأضعف حالاتها على المستوى الشعبي والمالي.

وعليه لم يكترث الرأي العام الفلسطيني كثيراً للخطاب ومحتواه، لأن قناعة راسخة بنيت لدى أبناء شعبنا بأن الاحتلال لا يفهم إلا لغة القوة، وأن اللغة الدبلوماسية دون قوة تعززها هي سراب ينتهي مفعوله مع انتهاء الجلسة الأممية.

ولكن الأهم في المقال هو دوافع تهديد الرئيس محمود عباس للاحتلال ومنحه عامًا واحدًا للانسحاب من حدود الرابع من حزيران 1967م، لأن المنطق يقول إن من يريد رفع السقف السياسي يجب أن يتسلح بأوراق قوة، وأهم ورقة قوة فلسطينية هي الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام، وإطلاق الحريات، والتوافق على استراتيجية وطنية لتحقيق هذا الهدف.

أما في ظل الواقع الراهن الذي يشهد حالة انقسام، وانتهاكاً للحريات العامة والخاصة، وفي ظل استطلاع مركز البحوث السياسية الذي نشر استطلاعاً قبل أيام تشير إلى مطالب 79% من شعبنا من الرئيس محمود عباس بالاستقالة، فإن فرص تنفيذ ذلك تبقى ضعيفة، وعليه بدأ الإعلام العبري يتهكم على هذا التهديد.

لكن في تقديري أن الرئيس عباس يدرك أن شرعية السلطة الفلسطينية من الناحية الشعبية بدأت تتآكل، وتعيش أزمة مالية خانقة، وحسب تصريحات وزير المالية شكري بشارة، فإن الواقع المالي للسلطة الفلسطينية في النصف الأول من عام 2021 به عجز في الموازنة العامة اقترب من نصف مليار دولار، وتراجع التمويل الدولي في النصف الأول من عام 2021 من 200 مليون دولار إلى 30 مليون دولار للعام نفسه.

وعليه أدرك الرئيس محمود عباس أن انسداد الأفق السياسي، وبقاء السلطة بدورها الوظيفي الحالي، لا يمكن أن يستمر طويلاً، وأن قمع الحريات لا يحفظ استقرار السلطة، وأن تطلعات شعبنا للحرية كبيرة، ولا يمكن أن يحتضن أي قيادة أو سلطة لا تعمل على ذلك، من هنا جاء هذا التهديد الذي سيراقبه شعبنا يوماً بيوم، فإن رفضت (إسرائيل) الانسحاب، وهذا هو المرجح، سيراقب شعبنا مسار المصالحة، وبناء كل عناصر القوة للمرحلة المقبلة، وأحد أهم أشكال ذلك: إطلاق الحريات، وتبني خطاب إعلامي مقاوم، وإعادة الاعتبار للمقاومة بكل أشكالها، والإفراج عن كل المعتقلين السياسيين، وإصلاح واقع حركة فتح وجناحها العسكري، وترسيخ العدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد والتخابر مع الاحتلال، ووضع رؤى واستراتيجيات بالتوافق مع الكل الوطني للمرحلة المقبلة.

ما لم يتحقق ذلك هذا فمعناه أن الرئيس محمود عباس يريد كسب الوقت وتخدير المشاعر الوطنية لشعبنا الذي بكى دماً بعد اعتقال أبطال نفق الحرية للواقع الذي أوصلتنا له بعض القيادات الفلسطينية في ظل حالة الغليان الداخلي.