"التنسيق الأمني" جعل اختفاء الأسرى الستة مهمة شبه مستحيلة

مختصون: عملية "نفق الحرية" هزَّت المستوى السياسي والأمني في (إسرائيل)

...
قوات الاحتلال أثناء بحثها عن أسرى نفق الحرية (أرشيف)
غزة/ فاطمة الزهراء العويني:

تفوق أسرى "نفق الحرية" بإمكاناتهم اليسيرة على منظومة الأمن الإسرائيلية التي تعد من المنظومات الأقوى عالمياً، لكنهم اصطدموا بجدار "التنسيق الأمني" وغياب الحاضنة الرسمية للعمل المقاوم في الضفة الغربية المحتلة، وفق ما يقول مختصون.

وأوضح المختصون في أحاديث منفصلة لصحيفة "فلسطين"، أن تمسك السلطة في رام الله بوظيفتها الأمنية لدى الاحتلال الإسرائيلي، جعل من استمرار اختفاء الأسرى الستة مهمة شبه مستحيلة.

وفجر أمس، تمكن الاحتلال من اعتقال الأسيرين أيهم كممجي ومناضل نفيعات، آخر أسيرين فرّا من سجن "جلبوع" يوم 6 سبتمبر/ أيلول الجاري، من أصل 6 أسرى، وذلك في المنطقة الشرقية من مدينة جنين، شمالي الضفة الغربية المحتلة.

غياب الحاضنة الرسمية

الخبير العسكري اللواء يوسف الشرقاوي رأى أن النجاح الكبير الذي حققه الأسرى الستة بالتحرر من سجن "جلبوع" بصفة ذاتية هز منظومة أمن الاحتلال، لكنه قوبل للأسف بغياب حاضنة رسمية بالضفة الغربية تمكنهم من الاختفاء عن عيون أمن الاحتلال.

وقال الشرقاوي: "شعبنا بالضفة يعيش وضعاً أمنياً مركباً، إذ يُلاحق المقاومون من قبل الاحتلال والسلطة على حد سواء، فالأخيرة لا تدعم أي عمل مقاوم ولا تحمي أي مطارد".

وأشار إلى أن السلطة تفتخر بـ"تنسيقها الأمني" مع الاحتلال؛ ما جعل الوضع في الضفة الغربية صعباً للغاية، بحيث تستبيحها أجهزة أمن الاحتلال ليل نهار وتستطيع الوصول لكل حجر فيها.

وعدّ أن ما حدث من اعتقال للأسيرين أيهم كممجي ومناضل انفيعات في جنين، هو تكريس لفشل السلطة الذي رسخته ضمن اتفاق أوسلو وتقديسها لشرعية (إسرائيل) مقابل امتيازات شخصية لقياداتها.

وأعرب الشرقاوي عن اعتقاده أن ما حدث من إعادة اعتقال الأسرى الستة ينبغي أن يجعل الشعب الفلسطيني يعيد النظر في الاستراتيجية الوطنية القائمة حالياً، التي لا يمكن من خلالها الخلاص من الاحتلال.

وبين أن اعتقال المقاومين بالضفة أمر مفهوم ما دامت السلطة تؤكد أن "التنسيق الأمني" مع الاحتلال مقدس، مضيفًا: "ربحنا سلطة وهمية وخسرنا فلسطين، وما لم تلقِ السلطة سلاحها المرخص إسرائيلياً في حاويات القمامة فإن شعبنا سيدفع المزيد من الفواتير الباهظة في ظل غياب مشروع وطني فلسطيني".

صراع الأدمغة

من جانبه، بيّن الباحث في شؤون الأسرى، فؤاد الخفش، أن عملية تحرر الأسرى الستة هي الأولى منذ عشرين عاماً التي تنجح بالكامل، "فقد أكدت ضعف المنظومة الأمنية الإسرائيلية أمام الإرادة الفلسطينية، فتفوق الفلسطيني على الإسرائيلي في صراع الأدمغة وتمكن من تحرير نفسه بأدوات بسيطة".

وأوضح الخفش أن أهمية العملية لم تتوقف عند هذا الحد؛ فقد أثبتت وجود فشل استخباراتي كبير لدى الاحتلال في ظل عدم وصول أي معلومة له عن عملية التحرر قبل تنفيذها.

وأشار إلى أن الفشل الاستخباراتي استمر في ظل قدرة الأسرى على الاختفاء لعدة أيام في مناطق يسيطر عليها الاحتلال كاملاً وفي ظل التكنولوجيا الهائلة التي يمتلكها، لافتاً إلى أن القضية أعادت إحياء الجانب الإنساني لهؤلاء الأسرى الذين يحرمون في سجون الاحتلال أبسط حقوقهم الإنسانية.

ورأى الخفش أن غياب الحاضنة الرسمية بالضفة هو ما ساهم في إعادة الاحتلال إلقاء القبض عليهم، "فلا يوجد حاضنة رسمية تحتضنهم كما هو في غزة، كما أن الضفة مستباحة أمنياً من قبل الاحتلال".

تآكل قوة الردع

بدوره، قال المختص بالشأن الإسرائيلي، حاتم أبو زايدة: إن عملية "نفق الحرية" أثّرت في المستوى السياسي لدى الاحتلال؛ إذ أثبتت تآكل قدرة الردع الإسرائيلية التي قامت على القتل والبطش وقدراتها الأمنية.

وأضاف أبو زايدة: "تجلى ذلك في قدرة الأسرى الستة على اختراق المنظومة الأمنية الإسرائيلية المعقدة والخروج من سجن شديد الإحكام كـ"جلبوع"، مشيراً إلى أن العملية أثبتت أن الفلسطينيين قادرين على فعل المعجزات واختراق المنظومة الأمنية الإسرائيلية بجميع أنماط المقاومة غير التقليدية.

ولفت إلى أن العملية رفعت الغبار عن المقاومة في الضفة الغربية التي حاولت سنوات طويلة من التنسيق الأمني مع الاحتلال قتلها، فحرك مشهد جيش الاحتلال وهو يبحث في كل مكان عن الأسرى، روح المقاومة في نفوس أهل الضفة.

ومضى أبو زايدة بالقول: "لكن تعاون السلطة الأمني مع الاحتلال حال دون قدرة الأسرى على الاستمرار بالاختفاء، وقد تكون قدمت معلومات استخبارية ساهمت في تمكن الاحتلال من إعادة اعتقالهم، فهي لا تفوت فرصة لتقديم خدمة للاحتلال، فمن دون التنسيق الأمني ينتهي وجودها".

وكانت قوات الاحتلال قد اعتقلت الجمعة والسبت من الأسبوع الماضي الأسرى محمد ومحمود العارضة ويعقوب قادري وزكريا الزبيدي الذين فروا رفقة كممجي ونفيعات من سجن جلبوع شديد الحراسة، في 6 سبتمبر/ أيلول الحالي، وذلك عبر نفق حفروه من زنزانتهم إلى خارج السجن.