فلسطين أون لاين

تقرير الضفة الغربية… قرارات "الكابينت" تعمّق مسار الضم وتضيّق الأفق السياسي

...
صورة من الأرشيف
غزة/ محمد أبو شحمة:

تفتح القرارات الأخيرة الصادرة عن المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر “الكابينت” مرحلة شديدة الحساسية في مسار الصراع، بما تحمله من تداعيات مباشرة على مستقبل القضية الفلسطينية وفرص الحلّ السياسي، فضلًا عن انعكاساتها المحتملة على الاستقرار الإقليمي.

ويرى مختصون أن هذه الخطوات تمثّل انتقالًا متدرّجًا من إدارة الاحتلال للأرض إلى تثبيت سيادة فعلية عليها عبر أدوات قانونية وإدارية متسارعة.

طالع المزيد: خبراء: الضمّ يهدد الاستثمار والموارد ويدفع الواقع المعيشي نحو التدهور

وتشمل الإجراءات إلغاء العمل بالقانون الأردني الذي يمنع بيع الأراضي الفلسطينية لليهود، ورفع السرية عن سجلات الملكية العقارية، إضافة إلى نقل صلاحيات التخطيط والبناء في مناطق حساسة، ولا سيما في مدينة الخليل، إلى ما يُعرف بالإدارة المدنية الإسرائيلية.

68f88f61e180f.jpg

مشهد لواحدة من مستوطنات الضفة 

ويُنظر إلى هذه القرارات بوصفها تحوّلًا استراتيجيًا في إدارة ملف الأرض في الضفة الغربية المحتلة، يفتح المجال أمام تسريع الاستيطان وتوسيع السيطرة على الأراضي بغطاء قانوني.

ويُعدّ إلغاء القانون الأردني، الذي شكّل منذ ما قبل عام 1967 إحدى أبرز أدوات الحماية القانونية للأراضي الفلسطينية، خطوة غير مسبوقة تهدف إلى تسهيل نقل الملكية لصالح المستوطنين. كما يحذّر خبراء في شؤون الأراضي من أن رفع السرية عن السجلات العقارية قد يتيح استغلال ثغرات قانونية واستخدام وثائق قديمة أو مزوّرة للطعن في ملكية الفلسطينيين، خصوصًا في المناطق المصنّفة (ج) الخاضعة لسيطرة إسرائيلية شبه كاملة.

الخبير في الشأن الإسرائيلي فراس ياغي أكّد أن التداعيات المترتبة على قرارات “الكابينت” خطيرة للغاية، موضحًا أن دولة الاحتلال تمضي بوضوح في تطبيق النظرية التي طرحها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش عام 2017، والمعروفة بـ«نظرية الحسم».

طالع المزيد: شهاب لـ "فلسطين": قرارات الكابينت "خطيرة" وتهدف لفرض السيادة على الضفة

وأوضح ياغي لصحيفة “فلسطين” أن ما يجري يمثل تطبيقًا عمليًا لبرنامج حكومي يهدف إلى فرض السيادة الكاملة على الضفة الغربية وإنهاء ملف القدس سياسيًا.

WhatsApp-Image-2024-06-25-at-11.41.11-PM.jpeg

الخبير في الشأن الإسرائيلي فراس ياغي

وأشار إلى أن الاحتلال يتعامل مع القدس باعتبارها قضية شبه محسومة بعد تنفيذ المخططات الخمسية التي أُقرت عام 2018 وانتهت في 2023، قبل تمديدها لخمس سنوات إضافية لدمج القدس الشرقية بالكامل بالقدس الغربية.

وبيّن أن المرحلة المقبلة قد تتجه نحو توسيع حدود المدينة ضمن مفهوم “القدس الكبرى”، عبر ضم مساحات تُقدَّر بنحو 10% من الضفة الغربية. أما قرارات “الكابينت” المتعلقة بالضفة، فيراها ياغي خطوة عملية لإنهاء ترتيبات اتفاق واي ريفر في ما يخص مدينة الخليل، وتحويلها إلى منطقة خاضعة بالكامل للإدارة المدنية الإسرائيلية.

وأضاف أن خضوع الإدارة المدنية لسيطرة سموتريتش يمنحه صلاحيات واسعة لتكثيف مصادرة الأراضي وهدم المنازل، بما في ذلك داخل مناطق مصنّفة (أ)، معتبرًا أن ما يجري يعني اكتمال السيطرة الميدانية للاحتلال، ولم يتبقَّ سوى تثبيتها قانونيًا.

ويرى ياغي أن هذه السياسات حوّلت السلطة الفلسطينية إلى إطار خدمي محدود الصلاحيات، يقتصر دوره على تقديم الخدمات الصحية والتعليمية والبلدية دون أي سيادة سياسية فعلية.

F230618ASPOOL05-640x400-1-640x400.webp

رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو وسموتريتش
وبحسب تقديره، فإن السيطرة الكاملة على الأرض باتت أمرًا واقعًا يمهّد لإعلان إسرائيلي رسمي بفرض السيادة على الضفة الغربية.

وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي، أشار إلى أن المشهد يرتبط بتوازنات أوسع تشمل الخطة الأمريكية في قطاع غزة وتعدّد الجبهات الإقليمية، مؤكدًا أن المؤشرات الحالية لا تُظهر تحرّكات جدّية لوقف السياسات التوسعية الإسرائيلية في الضفة.

وأضاف أن الضفة الغربية تمثّل “الجائزة” الاستراتيجية لإسرائيل، وهو ما عبّر عنه سابقًا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عند حديثه عن ضرورة توسيع مساحة الدولة الإسرائيلية، مرجّحًا أن يكون هذا التوسع على حساب أراضي الضفة والجولان.

وفي المقابل، يرى أن الحديث عن استيطان في قطاع غزة تراجع سريعًا، في ظل تصوّر أمريكي–إقليمي يقوم على إعادة تشكيل الكيان الفلسطيني مستقبلًا في غزة بعد إعادة تطويرها، بحيث لا يشكّل تهديدًا أمنيًا لإسرائيل.

وأوضح أن هذا التصوّر يتضمن إعادة هيكلة القيادة الفلسطينية وبلورة كيان سياسي مركزه قطاع غزة، تتبعه مناطق محدودة في الضفة الغربية، وهو طرح قد يحظى بقبول واسع داخل الطيف السياسي الإسرائيلي لأنه يتيح ضم أكبر مساحة ممكنة من الأرض دون سكانها، مع حصر الفلسطينيين في كانتونات معزولة تربطها طرق وأنفاق منفصلة.

وختم ياغي بالإشارة إلى أن البنية التحتية المقامة على الأرض، من ربط المستوطنات وشق الطرق المنفصلة، تقود فعليًا نحو ترسيخ نظام فصل عنصري كامل في الضفة الغربية، بانتظار ما ستسفر عنه التطورات في قطاع غزة والمحيط الإقليمي.

المصدر / فلسطين أون لاين