نتائج الثانوية العامة والمستحيل

كما كل عام يحتفل طلاب الثانوية العامة وذووهم بهذه المناسبة، التي تعبر عن مدى تمسك الشعب الفلسطيني بالحياة والعلم والبناء، رغم كل ما يلقاه من منغصات صنعها الاحتلال ومن دار في فلكه، تلك المنغصات التي لو صب بعضٌ منها على أي من شعوب الأرض لأهلكته، أو -على أقل تقدير- جعلته يرفع راية الذل والخنوع منذ أمد بعيد، فرغم الحروب المدمرة والحصار الطويل وقطع الكهرباء ونقص الإمكانات التي قد تصل أحيانًا إلى حد العدم لدى طلاب فلسطين، نجد في المقابل هذا النجاح المبهر، الذي يخرج من عمق تلك المأساة السوداء، وكأننا فعلًا كما قال الراحل توفيق زياد: "عشرون مستحيلًا، هنا على صدركم باقون كالجدار، وفي حلوقكم كقطعة الزجاج كالصبار، وفي عيونكم زوبعة من نار، نجوع، نعرى، نتحدى، وننشد الأشعار".

ربما يغيب عن كثر ممن يعيشون معنا في هذا العالم أن نتائج الثانوية العامة في فلسطين تتوزع كل عام على الأحياء والشهداء والأسرى.

الأحياء الذين قدر لهم البقاء أحياء، فنالوا شهادتهم كي يكملوا مسيرة الشعب الفلسطيني العلمية التي ما انقطعت رغم النكبة والنكسة والحروب المستمرة، ومضى أبناء الشعب الفلسطيني ليتعلموا وينشروا العلم أينما حلوا وارتحلوا، فعلموا شعوبًا، وأحيوا أممًا، وبنوا دولًا لا يزال أصحابها يذكرون للفلسطينيين مآثرهم فيها.

ولقد كانت معجزة الشعب الفلسطيني أنه الشعب الوحيد الواقع تحت الاحتلال الذي تفوق على محتله، في عدد حملة الشهادات العلمية العليا.

كذلك ممن نجحوا في الثانوية العامة أولئك الكرام الذين اختارهم الحق (سبحانه وتعالى) ليكرموا في جنان النعيم، أولئك الشهداء الذين قدر الله (سبحانه) أن ينالوا شرف الشهادة العظمى فضلًا من شهادة الثانوية العامة كما كل عام في فلسطين فقط، فمضوا إلى ربهم وبقيت شهادات الثانوية العامة تزين بيوتهم إلى جانب صورهم، ولكن هيهات لعزائم من يأتي بعدهم أن تخبو أو أن تفتر، فتبوءوا مقعدهم عند مليك مقتدر، أما مقعدهم الشاغر في الدنيا فيشغله إخوانهم الذين جاؤوا من بعدهم، فيصونون عهدهم ويكملون مسيرة العلم والشهادة، التي ما زالت تتقدم وكأنها مسيرة من نور، تنثر على جنباتها العلماء الشهداء.

أما الأسرى فإن نتائج الثانوية العامة تمثل لهم إرادة التحدي ضد القهر والظلم والطغيان، فإذا كبلت أجسادهم فإن أرواحهم وعقولهم تبقى حرة، تتجلى حريتها في قهر المستحيل فتصنع النجاح رغم القضبان والسجان، وكم من الأسرى الذين قضوا زهرات شبابهم خلف القضبان، خرجوا إلى الحرية متسلحين بالعلم، ليصنعوا الحياة من جديد، فكانوا أساتذة جامعات، ورؤساء مؤسسات رسمية وأهلية، يرتقون أعلى المناصب العلمية الإدارية!

تلك حكاية الشعب الفلسطيني التي تحكيها اليوم نتائج الثانوية العامة (2021)، وسيمضي بالناجحين قطار الزمن وستتقلب بهم دروب الحياة، وتصقلهم المعاناة والمكابدة، سيتعثرون وقد يسقطون ثم يعاودون السير مرة أخرى ليتخذ كلٌّ منهم مكانه، الذي يكمل من طريقه مشوار حياته بشقيها الخاص والعام، فيبنون أسرًا تستمر بها الحياة ويبنون مجدًا لشعبتهم وأمتهم.

نتائج الثانوية العامة محطة فرح لفلسطين في طريق الآلام الفلسطيني الطويل، الذي سينتهي يومًا، أرجو أن يكون قريبًا، ليلقي فيه السائرون أحمالهم، ويلتقطوا أنفاسهم، ليجنوا ثمرة تعبهم وصبرهم وجهدهم وجهادهم، وفي غمرة فرحهم الأخير سينظرون خلفهم، ليتذكروا محطات الفرح تلك، التي أعانتهم على قطع هذا الطريق الطويل الموحش، الذي قطعوه بنفوس مطمئنة وقلوب راضية وإرادة صلبة، حتى انتهوا إلى ما كانت تصبو إليه أرواحهم وترنو نحوه عيونهم، إلى القدس إلى فلسطين.