لا يقتصر خطر العدوان الأمريكي–الإسرائيلي على إيران وحدها، إذ تتصاعد المخاوف من تداعيات واسعة قد تطال مجمل منطقة الشرق الأوسط، وسط تحذيرات من مساعٍ أمريكية وإسرائيلية لإعادة رسم خريطة المنطقة بما يخدم مشروع ما يسمى "إسرائيل الكبرى". ويضع هذا المسار القضية الفلسطينية في قلب الاستهداف، ما قد يمهد لتصعيد جديد في المسجد الأقصى والضفة الغربية وقطاع غزة، على غرار ما يجري في جنوب لبنان.
وعلى مدار سبعة أيام متواصلة، تتعرض إيران لقصف أمريكي وإسرائيلي مكثف، فيما تواصل طهران، في إطار ردها العسكري، إطلاق ضربات صاروخية باتجاه أهداف إسرائيلية وقواعد ومصالح أمريكية في المنطقة، شملت مواقع في دول الخليج ومنشآت ومصافي نفطية استراتيجية.
وفي قلب هذا التصعيد، تبرز التداعيات الاقتصادية المتسارعة، مع توقف العديد من الرحلات الجوية وتراجع حركة الملاحة والسياحة في المنطقة. كما صدرت تحذيرات قطرية من احتمال توقف صادرات الطاقة الخليجية، مع اقتراب إعلان "حالة القوة القاهرة" ووقف الصادرات خلال أسابيع، وهو ما قد يدفع أسعار النفط إلى نحو 150 دولارًا للبرميل، بالتزامن مع تقارير عن تعرض ناقلة لهجوم في مضيق هرمز.
وبعيدًا عن التداعيات السياسية، يشكل إغلاق مضيق هرمز تهديدًا مباشرًا لسلاسل الإمداد العالمية، إذ يمر عبر المضيق نحو 22 مليون برميل نفط يوميًا، أي ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا. وتشير تقديرات إلى وجود ما بين 150 و200 سفينة عالقة في المنطقة، بالتزامن مع ارتفاع كبير في أسعار الغاز المسال عالميًا، خاصة في الأسواق الأوروبية.
حرب واسعة
ويرى الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل أن المنطقة تقف على أعتاب حرب واسعة، وليست مجرد عملية عسكرية محدودة.
وقال عوكل لصحيفة "فلسطين": إن ما يجري يمثل مرحلة متقدمة من صراع دولي آخذ في الاتساع، موضحًا أن "المنطقة دخلت بالفعل في حالة اضطراب عميق، وأن ما يحدث لا يستهدف إيران وحدها، بل يتجاوزها إلى إعادة تشكيل المنطقة سياسيًا وأمنيًا".
وأضاف أن إيران تمثل، في نظر الولايات المتحدة و"إسرائيل"، إحدى العقد الأساسية التي يجب كسرها لتمهيد الطريق أمام مشروع التوسع الإسرائيلي، مشيرًا إلى أن الاحتلال هو صاحب المصلحة الأولى في توسيع الحرب، ويسعى إلى جرّ الولايات المتحدة إلى مزيد من الانخراط العسكري.
وأشار عوكل إلى أن بعض الدول العربية بدأت تدرك طبيعة التهديدات التي تطال الأمن القومي العربي، وهو ما انعكس في أحاديث سابقة عن تشكيل تحالفات إقليمية تضم السعودية ومصر وتركيا وباكستان، في مواجهة تحديات أمنية متصاعدة، في مقابل حديث إسرائيلي عن تشكيل تحالفات مضادة.
ورغم اتساع الصراع في الإقليم، يؤكد عوكل أن القضية الفلسطينية ستظل المحرك الأساسي للصراعات في المنطقة، موضحًا أن أولويات الاحتلال لتحقيق مشروع "إسرائيل الكبرى" تبدأ بالسيطرة الكاملة على أرض فلسطين التاريخية.
ولفت إلى أن القضية الفلسطينية تحولت إلى قضية عالمية، ما قد يفتح الباب أمام تطورات سياسية مهمة خلال الفترة المقبلة، وربما تغييرات في المواقف الدولية تجاه السياسات الأمريكية والإسرائيلية التي تواجه عزلة متزايدة، مؤكدًا أن مستقبل القضية سيبقى مرتبطًا بصمود الفلسطينيين وتمسكهم بأرضهم.
كما أشار إلى أن الاحتلال استغل العدوان على إيران للتنصل من التزاماته في اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، موضحًا أن الفلسطينيين حققوا مكسبًا بوقف حرب الإبادة، لكن تشكيل ما يسمى "مجلس السلام" قد يكون محاولة لتحقيق أهداف لم يتمكن الاحتلال من تحقيقها خلال عامين من الحرب على غزة. وأضاف أن استمرار تجاهل تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من الاتفاق قد يعكس توجهًا نحو إبقاء السيطرة على قطاع غزة.
انعكاسات على القضية الفلسطينية
من جهته، يرى الكاتب والمحلل السياسي اللبناني حمزة بشتاوي أن العدوان على إيران ولبنان والمنطقة يحمل تداعيات عميقة على القضية الفلسطينية، خاصة على المستوى السياسي.
وقال بشتاوي لـ"فلسطين": إن "انهيار إيران – إن حدث – قد يمهد الطريق أمام إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لدفع مشروع (إسرائيل الكبرى)".
وأكد في الوقت ذاته أن الشعب الفلسطيني الذي واجه آلة الحرب الإسرائيلية ورفض محاولات كسر إرادته، لن يكون خارج معادلة الصراع مهما اتسع نطاق العدوان في المنطقة.
وأضاف أن المرحلة الحالية تتطلب موقفًا فلسطينيًا سياسيًا موحدًا في مواجهة التحديات، خاصة في ظل احتمال تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على الضفة الغربية والقدس.
ويرى بشتاوي أن استهداف المنطقة يهدف إلى تغيير معادلاتها السياسية، إلا أن الشعب الفلسطيني سيظل حاضرًا في معادلة الصراع، رغم محاولات الاحتلال توسيع دائرة العدوان. كما أشار إلى تنامي الغضب الشعبي داخل الولايات المتحدة تجاه الحرب، معتبرًا أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى احتواء تداعياتها الاقتصادية والسياسية.
وفي المقابل، يعتقد بشتاوي أن إدارة ترمب قد تمنح نتنياهو هامشًا أوسع للتنصل من التزاماته في غزة، وربما إعادة توسيع دائرة المواجهة باتجاه القطاع والضفة الغربية، ما ينذر بمزيد من التصعيد في المنطقة، وقد يقود إلى حرب إقليمية شاملة إذا لم يتوقف العدوان على إيران، محذرًا من أن تداعياتها لن تستثني أحدًا.

