في أزقة جباليا النزلة شمال قطاع غزة، يتكئ باسم نعيم الفحّام (35 عامًا) على عكازيه، يحاول أن يثبت خطواته بين ركام حربٍ لم تترك في جسده أثرًا عابرًا، بل غيّرت مسار حياته بالكامل. أبٌ لثلاثة أطفال، وجد نفسه في مواجهة خيارين قاسيين: النزوح إلى المجهول أو البقاء تحت القصف، فاختار البقاء… ثم دفَع ثمن القرار رصاصةً وبترًا ومعاناةً لا تنتهي.
كان قراره بعدم مغادرة منزله نابعًا من خوفٍ على أطفاله ومن قناعة بأن الجدران المتصدعة قد تكون أرحم من خيام النزوح. يقول بصوتٍ يختلط فيه الصبر بالألم: "رفضت النزوح لأنني كنت أظن أن البقاء قرب بيتنا أهون من حياة التشرد… أردت أن أحمي أطفالي فقط."
لكن مع اشتداد المجاعة وتقلص المواد الغذائية، لم يعد الصمت خيارًا. خرج باسم بحثًا عن كيس طحين يسد به جوع أطفاله، متوجهًا إلى دوار النابلسي، غير مدرك أن الطريق إلى الخبز قد يتحول إلى طريقٍ نحو الفقد. هناك، دوّى الرصاص، وأصابت رصاصة قدمه اليسرى إصابة مباشرة أدت إلى بترها على الفور.
يستعيد اللحظة بصوتٍ متقطع: "شعرت أن جزءًا مني سقط على الأرض… لم تكن قدمًا فقط، بل سنوات من الحركة والعمل والأبوة."
لم يكن إنقاذه سهلًا في ظل الفوضى والقصف. نُقل بصعوبة إلى المستشفى، حيث واجهت عائلته واقعًا صحيًا منهارًا؛ فالمستشفيات في الشمال كانت بين حصارٍ ونقصٍ حاد في الطواقم الطبية والإمكانات. اضطروا لتأمين طبيب خاص لإجراء العملية الجراحية على نفقتهم، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
مرّ عام وأكثر، وما زالت آثار الرصاصة تلاحقه. يعاني باسم من التهابات مزمنة في موضع البتر، وسط نقص حاد في الأدوية والرعاية والعلاج المناسب. يقول لصحيفة "فلسطين": "المعاناة لم تنتهِ عند الإصابة… بدأت بعدها مع الألم وقلة الدواء وصعوبة الحياة اليومية."
قبل الحرب، كان يعمل عاملًا في محل لبيع الشاورما، يسعى يوميًا لتأمين احتياجات أسرته. بعد البتر، حاول العودة إلى العمل، وتم تركيب طرف صناعي له، لكنه لم يكن مناسبًا ولا خفيفًا بما يكفي ليمنحه الاستقرار في الحركة.
"كنت أحلم أن أعود خلف الشواية كما كنت… لكن الطرف الصناعي كان عبئًا إضافيًا، وكل خطوة كانت تحديًا."
اليوم، يعتمد باسم على العكازين في تنقله، وينتظر تحويلته العلاجية إلى الخارج على أمل الحصول على طرف صناعي ملائم واستكمال علاجه. وبينما تتراكم الصعوبات، يبقى تمسكه بالحياة أكبر من الألم.
يختتم حديثه بنبرة هادئة لكنها عميقة: "لا أريد أكثر من أن أعيش بكرامة… أن أعمل وأطعم أطفالي بيدي، وأن أمشي بينهم دون ألم. أريد أن أعود أبًا قادرًا، لا رجلًا ينتظر الرحمة".

