ذوو الإعاقة السمعية.. كيف نحميهم من آثار العدوان؟

...
غزة- هدى الدلو:

لا يسمعون أي أصوات للقصف الذي يهز المنطقة، لكن نظرات أعينهم تكشف عن خوفهم وقلقهم وتوترهم الذي يتسرب لقلوبهم، ولذلك كانت هبة أبو جزر التي تعاني إعاقة سمعية تضطر إلى الوجود الدائم مع عائلتها بالغرفة طيلة أيام العدوان على غزة خوفًا من حدوث قصف مجاور.

حاولت من خلال مترجمة لغة الإشارة أن تنقل لمراسلة صحيفة "فلسطين" مشاعر الخوف التي كانت تراودها إذا جلست بمفردها من حدوث طارئ وهي بعيدة عنهم، "طيلة الوقت ألازم عائلتي حتى لو حدث قصف أتمكن من الانتباه وأنجو بنفسي معهم".

وتقول هبة (27 عامًا) الخريجة من تخصص تكنولوجيا الإبداع: "كنت أخاف أن يُقصف فجأة وأجد الركام فوق رأسي بسبب الإعاقة السمعية التي أعانيها منذ الولادة، فمن الممكن أن أنام ويقصف البيت دون أن أسمع شيئا، ولذلك كنت طوال ساعات الليل لا أنام من الخوف".

كانت تتابع بمختلف حواسها تفاصيل العدوان، وتستشعر ببعض الغارات التي تقصف على مناطق متفرقة، وأحيانًا تشعر بارتجاج الأرض تحت قدميها من قوة القصف فتظهر علامات الرعب على وجهها.

وتوضح هبة أنها لم تكن تعرف عن غالبية القصف إذا كان قريبا أو بعيدا عنها، بسبب إعاقتها السمعية، فتلجأ لمتابعة الأخبار المترجمة للغة الإشارة عبر مجموعة الواتس التي أنشأها مجموعة من المترجمين لنشر الأخبار وترجمتها، وأحيانا أهلها يترجمون لها بعض الأخبار بلغة الإشارة.

على الرغم من توقف العدوان الجوي فإن الخوف من عودته كبير جدًا لديها، للتوتر الذي تعيشه، والتعب الجسدي والنفسي الذي تعانيه خلال العدوان وبعده.

وتفاقم العدوانات المتكررة والحصار المفروض على قطاع غزة معاناة ذوي الإعاقة السمعية، خصوصا مع انقطاع الكهرباء، ما يتسبب في عدم قدرتهم على التواصل بواسطة لغة الإشارة ليلاً مع محيطهم.

عزلة وفقدان تواصل

من جهته يوضح استشاري الصحة النفسية د. إبراهيم التوم أن العدوان يترك آثارا سلبية كبيرة على المجتمع بجميع مكوناته وفئاته خاصة فئة الأطفال وكبار السن، إضافة إلى فئة ذوي الإعاقة عامة وذوي الإعاقة السمعية خاصة.

ويقول لصحيفة "فلسطين": إن ذلك يشكل عبئا وتحديا لدى الأسر في التعامل معهم في ظل الأزمات والعدوانات، فهناك حاجة لمعرفة خصوصية متطلبات النمو وخصائصهم النمائية، وطبيعة الإعاقة ومهارات التواصل معهم وكيفية مساعدتهم ومساندتهم للتأقلم مع المجتمع وما يطرأ عليه من تطورات وأوضاع.

ويوضح التوم أنه يجب على الأهل تعلم لغة الإشارة وكيفية التواصل السليم معهم والاستجابة لاحتياجاتهم ومعرفة أثر الإعاقة في تغير مسار الحياة إما إيجابيا تكيفيا وإما سلبيا انعزاليا غير تكيفي.

وينبه إلى أن عدم معرفة الأهل بلغة الإشارة يؤدي إلى عزلتهم وفقدان التواصل معهم، ما سينعكس على الجانب النفسي والاجتماعي والانفعالي والمعرفي، فيصبحون غير قادرين على التعايش ويسبب لهم الإحباط واليأس والعزلة وعدم المعرفة بمجريات الأحداث والأوضاع في المجتمع، ويصبحون أشخاصا غير مندمجين وغير قادرين على الانخراط في المجتمع بالشكل الطبيعي الذي يضمن لهم حقوقهم كغيرهم ".

ويبين التوم أن أفراد تلك الفئة في أجواء العدوان يفقدون قدرتهم على متابعة الأحداث وإعطاء رأيهم، والتكيف معها، نتيجة عدم معرفة احتياجاتهم وأوضاعهم وكيفية الاتصال والتواصل معهم وكيفية مواجهة مخاطر القصف من خلال بعض الإشارات التي يجب معرفتها من المحيطين لمساعدتهم في المحافظة على أنفسهم والتعبير عن مشاعرهم ورغباتهم واحتياجاتهم.

ويشير إلى ضرورة نشر ثقافة لغة الإشارة بين أفراد المجتمع، وأن على المؤسسات والوزارات نشر وتوعية المجتمع بالمنظور الحقوقي للأشخاص ذوي الإعاقة عامة وذوي الإعاقة السمعية خصوصا.

ويضيف: "يجب أن يسهم المجتمع بجميع مكوناته ومؤسساته في دمج وتعزيز دور ذوي الإعاقة السمعية في كل مناحي الحياة، وعلى المؤسسات تأهيل وتنفيذ دورات لتعزيز لغة الاتصال والتواصل لذوي الإعاقة السمعية وأفراد المجتمع من خلال لغة الإشارة في المدارس والجامعات والمؤسسات والنقابات والبلديات وجميع المؤسسات الخدماتية التي تساهم في دمجهم وزيادة تواصلهم وتفاعلهم".

وينبه إلى أنه لا بد أن يكون للمؤسسات العاملة في قطاع التأهيل دور في توعية وتدريب ذوي الإعاقة السمعية والأهل والمحيطين بهم على كيفية التعامل مع حالات الطوارئ والكوارث والأزمات والعدوانات، وتزويدهم بمهارات وإجراءات عملية للحفاظ على سلامتهم بشكل آمن كالإسعافات الأولية والإخلاء الآمن.

ويوضح التوم أن لوسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي دورا كبيرا ومؤثرا في دمج وتعزير لغة الإشارة في كل البرامج والمواد المقدمة، إضافة إلى تسليط الضوء على الواقع والطبيعة والاحتياجات والمتطلبات والنماذج المميزة لذوي الإعاقة السمعية.

ويؤكد أهمية "دمج وزارة التربية والتعليم لغةَ الإشارة في المحتوي التعليمي لكل المراحل التعليمية لتعزيز وتفعيل دورهم في المجتمع، وتنفيذ وزارة العمل دورات تأهيلية وتعليمية ومهنية ليكونوا قادرين على التأقلم والانخراط في سوق العمل".

ويرى التوم ضرورة تنفيذ برامج ترفيهية ودعم نفسي وتوفير مساحات صديقة لكي تساعدهم في التفريغ عن ضغوطهم والتعبير عن مشاعرهم ومساعدتهم في التوازن النفسي والاجتماعي.

ويدعو المؤسسات العاملة في قطاع الصحة النفسية إلى توفير برامج تعزز من ثقتهم بأنفسهم وتنمي الصلابة والصمود النفسي لهم ولأسرهم، إلى جانب تنفيذ برامج إرشادية وعلاجية للتعامل مع ذوي الإعاقة عموما وذوي الإعاقة السمعية خصوصا، الذين يتعرضون لمشكلات نفسية، ولضغوط الحياة، من خلال الخدمات الوقائية والعلاجية والنمائية لتعزيز الصحة النفسية لهم ولأسرهم.