المسألة تتعدى تغييب الشهيد نزار بنات

لماذا أقدم فريق محمود عباس على اغتيال نزار بنات؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب تحديد ما الذي كان يمثله الشهيد نزار بنات، وباختصار يمكن القول إن نزار بنات شكل إحراجاً كبيراً لمحمود عباس وفريقه؛ لأنه ركز على النقاط الآتية: هذه سلطة فاقدة للشرعية الوطنية والقانونية، ومفتقرة للكفاءة، وجاهَر بأن قيادة هذه السلطة وأجهزتها تعمل لمصلحة الاحتلال وتحت بساطيره، ولاحق فساد هذه السلطة بمثابرة منقطعة النظير، ورفع سقف النقد الجذري حتى طال حاضر وتاريخ محمود عباس وفريقه، ولم يقتصر على نقد محمود عباس وفريقه، بل استخدم ألفاظاً حطت من الهيبة التي حاول محمود عباس أن يصنعها لنفسه، ومارس نقده بلا حسابات سياسية؛ لأنه لا يملك مصالح يمكنهم تعطيلها، وواجه اعتقالاتهم وتهديداتهم بجرأة وذكاء في الوقت نفسه.

لقد قام الشهيد نزار بنات رحمه الله بما عجزت عن القيام به كل الفصائل، وبما قصّرت فيه مؤسسات حقوق الإنسان، وتلك المهتمة بالديمقراطية وملاحقة الفساد، ولهذا وجدت فيه السلطة خطراً كبيراً خاصة بعد إلغاء الانتخابات، وظهور عجز السلطة في الدفاع عن الشعب الفلسطيني، خاصة في مدينة القدس، ثم ظهور فضائح السفراء، ورذيلة تبديل لقاحات كورونا، بعد كل هذا كان على فريق محمود عباس أن يقف مع نفسه، ومن ثم يقرر بعد استخلاص العِبر مما مضى.

فماذا كانت استنتاجات ذلك الفريق؟ يبدو أنها تمثلت في النقاط الآتية: لقد ارتفع سقف طموحات الناس في الضفة الغربية، ولا بد من خفض هذا السقف، لكن كل الاعتقالات التي قامت بها أجهزة محمود عباس، إضافة إلى ما تنفذه أجهزة الاحتلال من اعتقالات لم تُحقق الهدف، أي تخفيض سقف الحريات، لهذا كان لا بد من هدم هذا السقف على رأس الشعب، وكان اختيار الشهيد نزار كنموذج يرتدع بعده الآخرون.

لو كان الهدف يقتصر على تغييب نزار وحده لاتخذ فريق محمود عباس طريقة أخرى للاغتيال، ولنفذها بشكل ناعم وهادئ، وهذا الفريق يمتلك القدرة على تنفيذ عملية اغتيال هادئة بكفاءة عالية، لكنه اختار طريقة اغتيال صاخبة لكي تكون رسالة ردع وإرهاب وتخويف لكل من يريد أن يرفع رأسه، لذلك فإن المستهدف من الاغتيال ليس هذا البطل وحده، بل المقصود هو وأد فكرة الحرية والكرامة التي نادى بها نزار، ونذر حياته من أجلها.

كان بإمكان فريق محمود عباس أن يوقف ملاحقة نزار، وأن يُتيح له العيش بحرية، وبعد ذلك يمكنه أن يُطلق عليه رصاصة من كاتم صوت، وبالتالي يتوزع دم نزار بين القبائل، أو يبعث من يدس له السم في فنجان قهوة، وبالتالي تنتهي حياة نزار بسهولة، لكن شكل التنفيذ، وطريقته، ومكانه، والإعلان عنه، كلها تقول إن الطريقة كانت مقصودة، لقد تعمد القتلة إبراز التوحش في قتل نزار.

إن إظهار التوحش في قتل المعارضين هو من نصائح المفكر السياسي الإيطالي ميكيافيللي للقادة المستبدين، لماذا؟ بالطبع فسّر مكيافيللي قصده بالقول إن على الحاكم أن يستخدم البطش بلا رحمة، ولكن لمرة واحدة، وذلك حتى يبقى أثره في تخويف الناس، ولا يضطر لاستخدامه كل يوم، لأن الاستخدام اليومي للعنف في حق المعارضين يؤدي إلى ضياع هيبة الحاكم، أما الاستخدام الفظيع للعنف لمرة واحدة فمن شأنه أن يُنتج خوفاً ممتد الأثر في قلوب المعارضين.

حتى لحظة كتابة هذا المقال، فإن الجماهير وبعض النُخب الشبابية وعائلة نزار لم ترتدع، هل دفع هذا محمود عباس وفريقه لاستخلاص العِبَر؟ لا، فهذا الفريق غير مؤهل نفسياً وفكرياً لاستخلاص العبر، بل إنهم يؤمنون أن ما لا يأتي بالقمع سيأتي بالمزيد منه، وما لا يتحقق بالإقصاء والتفرد سيُنجز بمزيد من الإقصاء والتفرد؛ لأنهم يعرفون حجم الفجوة الموجودة بينهم وبين الناس، ويتوقعون أن الجماهير لن تكتفي منهم بغير التنازل عن السلطة، وعرضهم على المحاكم بعدها بتهم الفساد، وربما بتهم أكبر من ذلك.

ولهذا وجدناهم طيلة الوقت منذ اغتيال الشهيد نزار حتى اللحظة يمارسون التهديد والقمع والاعتداء، ووصل الأمر حد الاعتداء، ليس فقط على المتظاهرين، بل على الصحفيات، وضربهن بوحشية أمام الكاميرات، إضافة إلى سحل الشباب في الشوارع، ثم استخدام الشرطيات في ممارسة التوحش، لقد اعتقدنا أن وجود النساء في مؤسسات الحكم يمكن أن يُلطِّف من الأداء الخشن للرجال، لكن محمود عباس وفريقه لا يمانعون استخدامهن في مهمات قذرة (القمع).

يحاول الآن فريق محمود عباس -بجانب القمع- استدعاء التاريخ الثوري لحركة فتح وتوظيفه لخدمتهم، وتشويه تاريخ الناس، وادعاء أن المظاهرات تستهدف المشروع الوطني، أو سرقة حركة فتح، أو إيجاد بديل للسلطة.

لكن يُلاحظ حتى لحظة كتابة هذا المقال أن فريق محمود عباس يعتمد على الشرطة وحدها في الميدان، سواء بالزي العسكري أو المدني، ولم يلجأ إلى جماهير فتح، فهل يجد صعوبة في تجنيد الجماهير بكثرة؟ هل يوجد اعتراض عما حدث في قاعدة فتح الجماهيرية أم أنه يؤجل استخدام الجماهير للحظة التالية؟ الله أعلم.

لكن تم استخدام التنظيم، عبر إعلانات في وسائل الإعلام لأمناء سر التنظيم في المحافظات المختلفة، الذين أظهروا حركة فتح حامية للجريمة، وهذا أضرّ وسيضر بواقع وشعبية وتاريخ حركة فتح على السواء.

يبدو أن فريق محمود عباس يعتقد أنه ما زال أمامه المزيد من الوقت للقمع، والجماهير ما زالت تعتقد أن هنالك حاجة للاحتجاج، فما السيناريوهات المتوقعة في المرحلة المقبلة؟ أولاً، قد يستطيع محمود عباس وفريقه قمع هذه الموجة، لكن حجم الألم والشعارات قد يحوِّل الغضب إلى فعل سري عبر لجان شعبية تمارس المعارضة الشديدة للسلطة التي ترفض تعديل المسار. ثانياً، قد تنجح الجماهير في استمرار الفعاليات والضغط على فريق محمود عباس وأجهزته، وحينها ستجد من يهرب منهم خارج البلاد، في حين يلجأ البعض للتفاهم مع الجماهير في خطوة التفافية على الغضب. ثالثاً، ربما تكون هذه فرصة لتيار مروان البرغوثي وناصر القدوة، لو امتلكا الشجاعة، للتقدم بقوة لإحداث إصلاحات جوهرية وعميقة في السلطة وفقا للبرنامج الذي طرحه ناصر القدوة. رابعاً، قد تستمر الفعاليات، وتؤدي إلى حدوث انفضاض في قواعد السلطة، ورفض لتنفيذ الأوامر بناء على الضغوط الاجتماعية، وبالتالي تُجبَر السلطة على تقديم التنازلات بالتدريج لصالح الناس، وتُرخي قبضتها الأمنية التعسفية، ويُفسح المجال أمام الجماهير للتصدي للمستوطنين في الضفة والقدس، وهذا هو أفضل السيناريوهات، وأرجحها على الأغلب، سواء جاء نتيجة لهذه الجولة من الاحتجاجات، أو بعد جولة أخرى.