هل يؤجل أبو مازن الانتخابات استجابةً للرغبة الأمريكية؟

"في تقديري، إن إدارة الرئيس بايدن ستنظر بتفهم في احتمال تأجيل الانتخابات بعضًا من الوقت، ولن تمانع إذا قرر الفلسطينيون اختيار وقت أكثر مواتاة، تصبح فيه التحديات التي ذكرتها قيد السيطرة".

كان هذا تصريح لمصدر في الإدارة الأمريكية، نقلته صحيفة القدس يوم الجمعة الماضي، يعبر فيه المصدر عن تفهم إدارة الرئيس بايدن لتأجيل الانتخابات الفلسطينية لوقت أكثر ملاءمة على حد تعبير المصدر، الأمر اللافت الآخر في تصريح المصدر كما نقلته صحيفة القدس، "إن الإدارة الأمريكية تخشى من صعود قوى فلسطينية ترفض حل الدولتين، وترفض نبذ العنف، وترفض التخلي عن الخطاب المعادي لـ(إسرائيل) والولايات المتحدة، أو التخلي عن التحريض واستخدام العنف، وصعود قوى كهذه إلى موقع القرار سيعقد، أو حتى يبدد بالكامل آفاق التوصل إلى حل الدولتين، لذلك من الطبيعي أن تؤكد القوى السياسية الفلسطينية التزامها بهذه الاتفاقات (المبرمة مثل اتفاقية أوسلو)" وبالتأكيد كان يقصد المصدر الأمريكي بالقوى الفلسطينية التي ترفض حل الدولتين حركة حماس، وقد أكد ذلك عندما سئل عن قصده (بالقوى التي ترفض حل الدولتين).

ما سبق من تصريحات المصدر بالإدارة الأمريكية يدفعنا إلى الاعتقاد بدرجة كبيرة أن السؤال الآن ليس هل ستؤجل الانتخابات أم لا، بل متى سيصدر المرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات استجابة (للرغبة الأمريكية) التي عبر عنها المصدر الأمريكي بأنها (تفهم)، وما يدفعنا إلى هذا الاعتقاد أن أبا مازن لم يقدم على إصدار مرسوم الانتخابات، إلا بعد أن مورست ضغوط عليه من الاتحاد الأوربي والإدارة الأمريكية بضرورة إجراء الانتخابات، وكما قيل، فقد رُبطت المساعدات التي تقدم من كلا الجانبين (الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوربي) بإجراء الانتخابات، فإذا ما تحلل أبو مازن من هذه الضغوط، سيكون الطريق ممهدًا أمامه لإصدار مرسوم آخر بالتأجيل، ولأي سبب من الأسباب التي ساقها له بالمناسبة المصدر بالإدارة الأمريكية، حينما عدد أسباب تفهمه لتأجيل الانتخابات عندما قال: "ولكننا أيضًا نعي التحديات الخاصة التي تواجه الفلسطينيين، كتحديات مواجهة أزمة وباء كورونا، وأزمة اقتصاد خانقة، إضافة إلى تعقيدات المشهد السياسي، حيث إن هناك ازدواجية في حكم الفلسطينيين؛ هناك الضفة الغربية، وهناك غزة اللتين يمارس فيهما الحكم بأنظمة مختلفة تمامًا، وأولويات مختلفة انبثقت من طبيعة التحديات الخاصة بهما والتي تراكمت عبر الـ15 عامًا الماضية، علاوة على أن الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس الشرقية يخضعون لتعقيدات الهيمنة الإسرائيلية، الأمر الذي يقيد الحركة السياسية".

إذن فقد عدد المصدر أسباب التأجيل، وهي الأسباب نفسها التي تناولها المحللون السياسيون عندما تحدثوا بشأن المبررات التي يمكن أن يسوقها أبو مازن لتأجيل الانتخابات، وهي منع الاحتلال للفلسطينيين من إجراء الانتخابات في القدس، ووباء كورونا، وتعقيدات الانقسام التي قد تؤثر في العملية برمتها، فهل كانت هذه الأسباب تخاطر أفكار بين ما يدور في عقل أبو مازن والإدارة الامريكية أم أن لقاءات مسبقة وترتيبات معينة سبقت تصريح المصدر المعبر عن موقف الإدارة الأمريكية؟ يبدو لي أن الأمر لم يكن مجرد تصريح عابر، ولكنه أمر قد اتفق عليه بين قيادة السلطة الفلسطينية والإدارة الأمريكية، قبل الإقدام على إصدار مرسوم بتأجيل الانتخابات، وذلك حتى تمهد الأرضية السياسية دوليا بعد أن مهدت إقليميا لإلغاء أو تأجيل الانتخابات.

من المثير للاستغراب أن المصدر في الإدارة الأمريكية أكد أنه لم يسمع عن طلب فلسطيني بالضغط على الاحتلال لإجراء الانتخابات في القدس، رغم أن القيادة الفلسطينية لم تكف منذ مدة عن التصريح بأنها تتواصل مع كل الجهات الدولية للضغط على الاحتلال لإجراء الانتخابات في القدس، فإذا لم تتواصل القيادة الفلسطينية مع الإدارة الامريكية وهي من الأطراف التي يمكن أن تضغط على الاحتلال في هذا الشأن إن لم تكن أهم هذه الأطراف، فبمن اتصلت القيادة الفلسطينية إذن؟ أم أن تصريحات القيادة الفلسطينية كانت مجرد ذر للرماد في العيون؟.

مجمل الموقف الآن يدلل على أن الأطراف الإقليمية والدولية راغبة في تأجيل الانتخابات لسبب وحيد من وجهة نظري، وهو ترجيح فوز حركة حماس مرة أخرى في هذه الانتخابات، الأمر الذي لا ترغب فيه تلك الأطراف، ولذلك أصبح تأجيل الانتخابات موقف مشترك لهذه الأطراف على خلاف الموقف الوطني الفلسطيني الداعم بقوة لإجراء هذه الانتخابات، للخروج من الأزمة السياسية المستحكمة منذ خمسة عشر عامًا، والتي أوجدت نوعًا من الحكم الفردي المتسلط للرئيس أبو مازن، أدى إلى انهيار شامل في مختلف القضايا الوطنية الفلسطينية، الأمر الذي يستوجب إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني من خلال بوابة الانتخابات كما أجمع الكل الوطني الفلسطيني، فهل ينحاز أبو مازن لخيار الشعب الفلسطيني أم يخضع للرغبة الإقليمية والدولية؟ في تقديري وحسب التجربة أن أبا مازن سيلبي الرغبة الإقليمية والدولية، ولذلك على الشعب الفلسطيني وفصائله الاستعداد للتعامل مع الخيار غير الوطني خلال الأيام القليلة المقبلة.