تحظى فلسطين بمكانة دينية وتاريخية تتمثل بكونها مهبط الديانات، ومقصدًا للأنبياء والصحابة والتابعين والعلماء، ما جعل الأضرحة والمقامات تنتشر في أغلب مدنها وقراها، وتكسبها مكانة دينية وتاريخية.
ولا تكاد قرية أو مدينة فلسطينية تخلو من أضرحة ومقامات ووزارات، منها ما هو معروف أصحابها، وكثير اختلف عليها.
وفي السنوات الأخيرة تحول جزء كبير من هذه الأماكن إلى مطمع للاحتلال الإسرائيلي وجماعاته الاستيطانية التي ترغب بالسيطرة عليها، والتعامل معها على أنها تتبع "الدين اليهودي التلمودي"، في حين بقي القليل منها والمهدد بالاندثار يتبع لسيطرة السلطة الفلسطينية.
وبين مخاطر التهويد، والإهمال من الجهات الرسمية وقلة التركيز والاهتمام بها، تبقى تلك المقامات والمزارات والأضرحة تنتظر مصيرها المجهول.
وأشار المتخصص في التاريخ الفلسطيني الحديث د. مروان الأقرع إلى أن فلسطين تحتوي على ما لا يقل عن 395 مقامًا ومزارًا في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، وذلك ينطبق مع ما جاء من معطيات وزارة الآثار والسياحة الفلسطينية.
ولفت الأقرع في حديث لصحيفة "فسطين" إلى أن تلك المقامات سُمَّيت أسماءَ أنبياءٍ أو علماء أو صحابة أو صالحين، مشيرًا إلى أن بعض تلك المقامات يعود تاريخها إلى ما قبل الإسلام، وجزء آخر اقترن بفترة الدعوة الإسلامية ومعارك الصحابة والتابعين، ورحلات العلم التي كانوا يقومون بها، مرورًا بمقامات أخرى اقترنت بالفترات الزمنية المتباعدة، وصولًا إلى قرون قليلة مضت.
وحذَّر الأقرع من مغبة استمرار الجهات المختصة في إهمال تلك المقامات؛ كونها مطمعًا إسرائيليًّا مستمرًا، مضيفًا أن المتتبِّع لواقع العديد من المقامات -كما هو الحال في قبر يوسف في نابلس ومقامات كفل حارس وعورتا وسبسطية- يدرك أن الاحتلال وجد من تلك المقامات فرصة لفرض أجندته الاستيطانية وإلباسها الثوب الديني لإسكات العالم.
وتابع أن الاحتلال والمستوطنين لم يخفوا أطماعهم الاستيطانية، بل إن المستوى الرسمي يتبنى "الخطاب الديني التلمودي"، وهذا واضح من طبيعة الشخصيات التي تشارك في الاقتحامات المتكررة كما الحال في قبر يوسف.
إهمال رسمي
بدوره قال الباحث الاجتماعي عبد السلام عواد: إن المقامات الدينية في الأراضي الفلسطينية بحاجة إلى اهتمام كبير بالإمكانيات والثقافات.
وعدَّ في حديث لـ"فسطين" أن المقامات مهملة ولا يدري بها أحد، ما جعلها لقمةً سائغةً في يد المستوطنين وحكومتهم الاستيطانية، التي تصرف الملايين من الشواقل في سبيل السيطرة عليها.
وعلى صعيد الثقافة والتاريخ، أكد عواد ضرورة أن تكون تلك الأماكن حاضرة في المناهج الفلسطينية؛ لتبرز أهميتها وتاريخها، ولتفضح ممارسات الاحتلال وزيف أطماعه.
وتساءل: "لماذا لا تكون سياسة وخطط تقوم على تحويل تلك المقامات إلى مزارات تُسيَّر إليها الرحلات العلمية والمدرسية والجامعية؟ وأين دور وسائل الإعلام التي لا نراها تتحدث عنها إلا حين وجود اقتحام إسرائيلي لها فقط؟".
وشدد عواد على ضرورة تعلُّم الجميع الدرس مما حصل في مقام النبي موسى، ليلة الأحد الماضي، من حفل صاخب وماجن يتنافى مع قداسة المكان، ما يدل على فقدان المقام الإدارة والرعاية والاهتمام والرقابة، كما حال كل المقامات والأماكن السياحية في الأراضي الفلسطينية.
ودعا المختصان السلطة إلى الاهتمام بالمقامات التاريخية التي تخضع لسيطرتها على الأقل، وإعطائها الحق في الرعاية والاهتمام.

