اليوم بان وجهه، ولم يعد سرّاً. في الأمس كان اسمه أبو عبيدة، واليوم، هو حذيفة سمير عبد الله الكحلوت، المكنّى في الحياة العامّة بأبي إبراهيم. وبالأمس واليوم، كان الناطق باسم «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس).
وعلى طريق عماد عقل، وريث الزمن الفدائي في حركة «حماس»، سلك الناطق باسم كتائب القسام الدرب، خلال نحو عشرين عاماً، ظلّ فيها لقباً لملثّم، صوته واثق، ولغته حاسمة حازمة، يملك زمامها. أبو عبيدة الفدائي الناطق منذ عام 2006، ظهر للمرّة الأولى في 25 حزيران معلناً تنفيذ المقاومة عملية «الوهم المتبدّد» التي أدّت إلى مقتل جنديين إسرائيليين وأسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط. ومن ذلك الحين، بات اسماً علماً، نقل فلسطين إلى العالم، في كل المعارك والحروب التي خاضتها المقاومة الفلسطينية، من ضمنها «حماس»، في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
في يوم الاثنين 29 الشهر الجاري، جعلت «حماس» لقب أبو عبيدة، رمزاً للملثّم، فأعلنت استشهاد أبو عبيدة، وأعلنت عن شخصيته الحقيقية، وجاء إعلانها على لسان الناطق الجديد باسمها، أبو عبيدة، الذي ظهر بالشكل ذاته الذي كان يظهر فيه أبو إبراهيم.
لم يعلن الملثّم الجديد عن تاريخ استشهاد سلفه، لكن إسرائيل قالت، في 30 آب، إنها تمكّنت من اغتياله، وحينها بدأت التكهّنات، وتغلغلت الحيرة في نفوس وعقول المتابعين والمترقّبين، ولا سيّما أنّ أحداثاً كبرى حدثت، ولم يطل الرجل الذي إن تساءلت الناس عن هويته، كان يعنيها ظهوره أكثر، كما كان يعنيها صوته وإصبعه الذي ظلّ يمنح الثقة بالذين ينطق باسمهم، فتهديداته، كانت تهديدات رجال في الميدان، ربما كان بينهم، وربما كان فقط المعبّر عنهم، وفي الحالتين، فقد أدّى دوره، وواجبه، وأحيا الفدائي.
ظل أبو عبيدة/ أبو إبراهيم، صوتاً أصيلاً من غزة، على مرّ نحو عامين، سمعنا صوته دوماً، رأيناه يتحرّك في بعض الأحيان، مشيراً بإصبعه، مقدّماً كلاماً آخر، يفهمه مَن يجب أن يفهمه في جيش الاحتلال. وفي مرّات أخرى، كان أبو عبيدة صوتاً وصورة ثابتين، وفي الحالتين، كانت في خلفيته، آية قرآنية، تقدّم رسالة أخرى في الخطاب الإعلامي، أيضاً لمن يجب أن تصل إليهم الرسالة، عرباً وعجماً.
خلال العامين الماضيين، كان غياب أبو عبيدة الطويل في بعض الأحيان، يفسّر بطرق مختلفة، وتبنى عليه تحليلات وتأويلات، وحين يظهر مجدّداً، يُعاد رسم الصورة من جديد. فلم يعد الناطق الرسمي فقط، بل واحداً من لبنات المعركة الأساسية. ولعلّ الحرب الطويلة في غزة، كشفت عن مستوى جديد من الإعلام العسكري للمقاومة، أسهم بشكل كبير في إدارة الحرب التي لم تنتهِ بعد.
الفدائي اللغز
كثيراً ما أقع على صور لفدائيين في أرشيف الثورة الفلسطينية المنثور على مواقع مختلفة في الإنترنت، والمجلات والصحف الفلسطينية القديمة منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية في ستينيات القرن الماضي، وأتساءل، من هذا ومن ذاك، وأين أصبحوا الآن؟ قلما نجحت في العثور على أحدهم، باستثناءات قليلة، كالصورة الشهيرة لفدائي على دراجة نارية، بحثت طويلاً لمعرفته، فوصلت إلى المصور يوسف قطب، صاحب الصور الشهيرة في مراحل مختلفة من الثورة الفلسطينية، ولا سيّما مرحلة اجتياح لبنان، وحصار بيروت. والمصادفة كانت، أن الذي في الصورة هو يوسف قطب ذاته، وزميله في وكالة «وفا» هو الذي التقطها له.
لم يعد الناطق الرسمي فقط، بل واحداً من لبنات المعركة الأساسية. ولعلّ الحرب الطويلة في غزة، كشفت عن مستوى جديد من الإعلام العسكري للمقاومة، أسهم بشكل كبير في إدارة الحرب التي لم تنتهِ بعد.
في أرشيف هذا المصور، وغيره من مصوري الثورة، مئات الصور لفدائيين، لم يعرف مَن هم، ليس لسبب أمني، لكن ربما من الإهمال، وعدم الدقة في السجلات، وتتبع هذه التفاصيل، فأصبحت هذه الصور الكثيرة، رمزية تتداول حتى اليوم، للدلالة على النضال الوطني في مواجهة إسرائيل، لكنها بلا بيانات شخصية.
كان من بين مصوري الثورة الشهداء هاني جوهرية، وزميلاه مطيع وعمر؛ وسلافة جاد الله، ومصطفى أبو علي، وعمر الرشيدي، وجمال السعيدي، ورمزي حيدر، وغيرهم من المصورين الذين إمّا انتظموا في مؤسسات الثورة الفلسطينية، وإمّا عملوا مع صحف ووكالات صحافية عربية ودولية، صوّروا الفدائيين الفلسطينيين في معسكراتهم، وبعض المصورين رافقوا الفدائيين خلال تنفيذ عملياتهم، وبعضهم استهدفوا في القصف، كجوهرية ومطيع وعمر.
أيضاً هناك ساعات فيديو كثيرة، لمعسكرات تدريب الفدائيين في الأردن ولبنان وسوريا، لم يبحث أحد عن الذين كانوا في تلك الفيديوهات، فذهبوا في غياهب النسيان، ربما بعضهم استشهد في معارك بمواجهة إسرائيل، وبعضهم عاد إلى الأراضي المحتلة عام 1967، مع منظمة التحرير بعد عقد اتفاقية «أوسلو» عام 1993. وبعضهم ظلّوا في مخيمات اللاجئين، وبعضهم غادروا إلى المهجر.
قبل سنوات، وقعت على بعض الصور لأشبال حركة «فتح» في مخيم تل الزعتر، يبدون في معسكر تدريبي، فذهبت بهذه الصور إلى أحد العارفين بأهالي هذا المخيم المظلوم وضحاياه، وتعرّفت إلى بعض الأشخاص، وكان بينهم صديق يسكن في مخيم مار الياس، اسمه خالد عبادي، يتولّى اليوم مسؤولية أمين سر فصائل منظمة التحرير في بيروت. وسألته عن أشخاص آخرين في الصورة فعرف منهم. هكذا ربما يمكن الوصول إلى كثير ممن كانوا في تلك الصور، ولا سيّما أن عقوداً مرّت عليها، والأشبال صاروا في أعمار كبيرة، معظمهم تفرغوا لأسرهم.
سحر الغموض
لم يتوقّف إغراء وإلهام شخصية الفدائي، تحديداً حضوره الوجداني والرمزي والفدائي، مع غياب الاسم والهوية، وربما الغياب المستمرّ للفدائيين، والفعل الذي مارسوه في المواجهة والمقاومة عبر سنوات الثورة الفلسطينية، خلق رمزية الفدائي، التي لن تزول مع الزمن، فبات مثال التضحية والتفاني، ومضرب المثل في المخيمات، فكم من أم قالت لولدها «كون متل الفدائية»، ورغم بعض الأخطاء والخطايا لبعض الفدائيين، إلا أن مكانة الشخصية لم تتغيّر في وجدان الفلسطينيين والعرب.
ألهمت شخصية الفدائي المبدعين، بعضهم كتبوا عنهم، وبعضهم رسموا الملثّم، وبعضهم تركوا دنياهم، والتحقوا بالعمل الفدائي لمقاتلة إسرائيل. وربما كانت الكوفية، بغض النظر عن لونها، أسود أو أحمر، سبباً أساسياً في تكوين هذه الشخصية التي أسطرها الوعي الفلسطيني والعربي؛ فهي من جانب تخفي وجه المقاتل، فتحوّله إلى فدائي، ومن جانب آخر، تنسبه إلى هوية فلسطينية، الرموز إحدى مكوناتها الرئيسية.

