استشهد وهو يقرأ القرآن

كيف تقضي عائلة "أبو عبيد" رمضان دون شهيدها "خليل"؟

...

خانيونس - ربيع أبو نقيرة

تفتقد عائلة الشهيد خليل حسن أبو عبيد من حي الأمل في مخيم خانيونس جنوب قطاع غزة، ابتسامته وحسه الفكاهي على مائدتي الإفطار والسحور خلال شهر رمضان المبارك الذي يمر عليهم لأول مرة بدون خليل، فهذا الشاب الخلوق دائم الابتسامة، اختطفته قنابل الاحتلال الإسرائيلي من بين أسرته وأردته شهيداً.

واستشهد خليل بتاريخ 24/10/2015 متأثرا بجراحه إثر إصابته بقنبلة غاز اخترقت كتفه الأيمن، واستقرت في رئته محدثة تهتكات كبيرة، خلال مواجهات مع قوات الاحتلال شرقي مخيم البريج، وسط قطاع غزة، بتاريخ 11/10/2015.

محمد أبو عبيد، شقيق الشهيد خليل الأكبر، أوضح في حديثه لصحيفة "فلسطين"، أنه لا طعم لرمضان هذا العام بدونه، خصوصا أنه "كان فاكهة البيت وقطعة منه، وأهل البيت تعودوا عليه بشكل كبير".

شوق الأحبة

وأوضح أن ذكرياته مع شقيقه تراوده عند تناول طعام السحور وعند تناول طعام الإفطار، وعندما يخرج في رحلات ترفيهية مع أصدقائه، وعندما يصل أرحامه، بل وعندما يذهب إلى المسجد لأداء الصلوات.

وقال أبو عبيد: "خليل يصغرني بعامين، ولا فرق بيننا في العمر، لذلك اعتدت عليه، وعلى الخروج معه لزيارة الأقارب والأرحام في شهر الخير رمضان، وفي عيد الفطر المبارك، لكن هذا العام خرجت لوحدي".

وتابع: "شعور صعب جدا عندما تدخل إلى منزل خالتك أو عمتك لوحدك دون خليل، خاصة أنهم اعتادوا علينا معا"، مشيرا إلى أن عائلته تعودت على انتظاره عند مائدة الإفطار، بسبب تأخره في عمله بتوزيع إكسسوارات الهواتف الخلوية.

وأضاف أبو عبيد: "رغم تأخره عن الإفطار، ولهفته لتناول الطعام، إلا أنه يبادلنا الحديث ويصنع النكات، فيقلب أجواء البيت إلى فكاهة وضحك"، لافتا إلى أن ذلك كله غائب عن المائدة الرمضانية، وحل مكانه الحزن والألم.

وأشار إلى أن الذكريات الجميلة التي عايشها مع شقيقه، تتزاحم في ذاكرته، قائلا: "أذكر خليل عندما كان يتصل بي قبيل صلاة العشاء، من أجل الذهاب معه للمساجد النائية، والتي تخلو من الضوضاء، ليتمتع بأداء عبادة القيام في أجواء هادئة".

وتابع: "أذكره أيضا عندما كان يصحبني إلى شاطئ البحر بعد أداء صلاة التراويح من أجل الترفيه عن نفسه، خاصة أنه كان يقضي نهاره كله في عمله"، لافتا إلى أن جميع المناسبات الاجتماعية والأفراح بدونه لا طعم لها.

وأضاف أبو عبيد: "أول أخت لي خطبت قبل أيام، الفرحة كانت ممزوجة بالحزن، لفقدانه، ولم نفرح كما تفرح الناس"، مشيراً إلى أن اليوم الأول في رمضان قضته العائلة في زيارة لقبره والدعاء له.

واستطرد: "سيرته بعد استشهاده طيبة، ويذكره أصدقاؤه والناس من حولنا بالخير، ويحاول الناس قدر الإمكان تقديم أي خدمة لي عندما يعرفون أن خليل شقيقي، وهذا يدل على أن خليل كان خدوما للناس".

وأوضح أن الله شرفه بخاتمة حسنة، عندما استشهد وهو يقرأ القرآن رغم غيابه عن الوعي، قائلاً: "رزقه الله بذلك لأنه كان لا يضايق أحدا أو يتركه زعلانا أو يحاربه، وثانيا: كان ينام على القرآن والخطب الدينية".

قدر الله غالب

أما والدته (45 عاما)، التي بدت بحالة يرثى لها عندما فتحنا معها موضوع نجلها خليل، أوضحت أن أيام رمضان ولياليه تمر بصعوبة عليها، قائلة: "نفتقد خليل في رمضان وقبل رمضان وفي أي شيء نفعله".

وتابعت: "نفتقده في الجلسات العائلية، والسهرات، وعند الإفطار وعند السحور"، معبرة عن فخرها بشهادة خليل خصوصا أن الله أحسن خاتمته، كما تمنت في ذات الوقت أن يرزقها الله الشهادة.

ولفتت إلى أن خليل كان يحب المزاح، ويملأ المنزل سعادة في أسلوبه الفكاهي في الجلسات وليالي السمر، قائلة: "رغم أنه كان يقضي معظم وقته مع أصدقائه وفي عمله، إلا أنه عندما يدخل المنزل يدخله بوجه بشوش ضحوك".

وأضافت أبو عبيد: "كنا معتادين عليه، خصوصا الأطفال حيث كان يأخذهم في نزهات سريعة ويشتري لهم ملابسهم"، موضحة أنه كان يساعد بشكل كبير في سد احتياجات المنزل ومصاريفه اليومية.

وحمدت الله أن أكرمه بالشهادة، قائلة: "كنا نريد تزويجه، لكن قدر الله غالب، وأدعو الله أن يتقبله شهيدا ويكرم نزله في جناته".

ولم تسعفها الذاكرة في استحضار مواقف بعينها عايشتها مع نجلها، لكنها أوضحت أنه كان لا يرفض لها طلبا، ولا يبدي أي انزعاج من طلباتها وقالت: "رمضان الماضي أذكر أنني طلبت منه إحضار كنافة، فترك عمله وجلبها، وتأكد أنني أكلت منها، وقلت له لماذا تركت عملك وأحضرتها مبكراً، فقال: إن انتظرت انتهاء عملي وعدت للمنزل بالتأكيد ستكونين غرقتِ في النوم، وبذلك لن ألبي طلبك".

وأكدت أبو عبيد أنه كان يسامح الجميع قبل نومه، ويحرص على النوم على سماع القرآن الكريم والمواعظ والخطب، قائلة: "عندما أوقظه لصلاة الفجر أجد هاتفه يصدح بالقرآن، فيقوم لصلاته نشيطا".

وقالت إن "علاقته كانت جيدة بي وبوالده، وكأنه كان صديقا لنا، ومع شقيقاته الثلاث فداء (24عاما) ونداء (21عاما) وهبة (18عاما) وأشقائه الثلاثة محمد وعبد الله (14عاما) وخالد (11عاما) أيضا جيدة جدا"، مضيفة: "وهو مصاب كان يدعو والده للصبر والثبات إذا رزقه الله الشهادة".

وأبت دموعها إلا أن تخونها وتسيل على خديها وهي تتحدث عن نجلها، ويميل صوتها إلى البكاء، لكنها كانت تردد طيلة الحديث "الحمد لله رب العالمين".

ودعت أبو عبيد شباب الأمة والمقاومين للثبات على دينهم ومقاومتهم حتى تحرير المسجد الأقصى والقدس وكامل تراب فلسطين، مؤكدة أنها ستعود إلى بلدتها الأصلية حمامة، ولكل القرى والمدن الفلسطينية المحتلة، بالمقاومة والثبات والصبر.