فلسطين أون لاين

تقرير رمضان بلا عائلة... محمود النَّجَّار فقد ساقه وأهله في الحرب

...
محمود النَّجَّار فقد ساقه وأهله في الحرب
غزة/ هدى الدلو:

في أحد شوارع أقصى منطقة الصفطاوي شمال غزة، كان الشاب محمود النجار، البالغ من العمر (21 عامًا)، يسير بالقرب من منزله في مساء يوم 21 أكتوبر/تشرين الأول 2024، غير مدرك أن خطواته القليلة تلك ستقسم حياته إلى ما قبلها وما بعدها، لحظات فقط كانت كفيلة بأن تغيّر مصيره بالكامل، بعدما استهدف قصفٌ إسرائيلي عنيف منزلًا مجاورًا لبيت عائلته، لتتناثر الشظايا وتُصيب جسده إصابات بالغة، خاصة في ساقيه.

يروي محمود تلك اللحظة لصحيفة "فلسطين" قائلًا: "كنت أمشي بجانب البيت، وفجأة شعرت بانفجار هائل يهز المكان، لم أفهم ما حدث في البداية، لكنني وجدت نفسي على الأرض، والدم يملأ ملابسي، ولم أعد قادرًا على تحريك ساقي".

فكانت إصابة ساقه اليسرى شديدة الخطورة، إلى درجة أن الأطباء أخبروه أن احتمال بترها كبير، دخل غرفة العمليات وهو يستعد نفسيًا لفقدانه، يقول: "دخلت غرفة العمليات وأنا مقتنع أن رجلي اليسرى ستُبتر، كنت أردد في داخلي أنني يجب أن أكون قويًا، لكنني لم أكن أعلم أنني سأخرج ببتر في اليمنى بدلًا منها، بعدما اكتشف الأطباء أنه يمكن انقاذها بينما اليمنى كان وضعها ميؤوس منه".

خرج محمود من العملية وقد بُترت ساقه اليمنى من أسفل الركبة، فيما خضعت ساقه اليسرى لعملية معقدة تم خلالها وصل الشريان الرئيسي فيها، واحتاجت إلى ثلاثين غرزة لإنقاذها، ولم تتوقف إصابته عند هذا الحد؛ فقد امتلأ جسده بالشظايا، إضافة إلى الحروق التي توزعت على مناطق مختلفة من جسده.

ومرت الأيام ثقيلة على الشاب العشريني الذي وجد نفسه فجأة أسير سرير المستشفى، ثم كرسيًا متحركًا بعد ذلك، وقد كانت رحلة التعافي طويلة ومؤلمة، مليئة بالوجع الجسدي والانكسار النفسي، لكنه كان يحاول التمسك بالأمل.

ويضيف محمود بصوت يختلط فيه الصبر بالألم: "كنت أقول لنفسي إن المهم أن أبقى حيًا، وأن أتعلم كيف أعيش من جديد، الألم كان شديدًا، لكن وجود عائلتي بجانبي كان يخفف عني الكثير".

فبعد سبعة أشهر من الإصابة والمعاناة، بدأت مرحلة جديدة من التحدي، تمكن محمود أخيرًا من الوقوف على قدميه باستخدام العكازين بعد أن ظل لفترة طويلة على الكرسي المتحرك، لم تمضِ سوى ثلاثة أيام فقط على تلك الخطوة الصغيرة التي اعتبرها انتصارًا شخصيًا، قبل أن تنقلب حياته مرة أخرى.

وفي مساء الرابع عشر من مايو/أيار 2025، كان محمود قد ذهب للنوم عند صديق له نازح في مدرسة أبو حسين في مخيم جباليا، وعند الساعة الواحدة وخمس وأربعين دقيقة بعد منتصف الليل، اهتزت المنطقة بصوت انفجارات ضخمة ناجمة عن براميل متفجرة.

فيستعيد تلك اللحظات قائلاً: "عندما سمعت صوت الانفجارات شعرت أن شيئًا سيئًا حدث، لم أحتمل الانتظار، حملت عكازيّ وبدأت أركض نحو البيت لأطمئن على عائلتي".

لم يكن الطريق سهلًا؛ فالسير بالعكازين في شوارع مدمرة ليس مهمة يسيرة، خصوصًا لشاب ما زال يتعافى من إصابته، يتابع حديثه: "وقعت ثلاث مرات في الطريق، لكنني كنت أعود للوقوف من جديد، كنت أقول لنفسي إنهم ينتظرونني".

لكن المشهد الذي وجده عند وصوله كان أقسى من أي تصور، لم يجد المنزل الذي يعرفه، بل كومة من الركام والدمار، تحتها كانت ترقد عائلته المكونة من ثمانية أفراد.

يستكمل محمود وهو يسترجع تلك اللحظة الثقيلة: "رأيت الركام فوق أجسادهم… والديّ وإخوتي جميعًا، لم أصدق ما أراه، كنت مصابًا للمرة الرابعة، لكن هذه المرة أصبت في قلبي".

في تلك الليلة، لم يفقد محمود بيته فقط، بل فقد عائلته بأكملها، تحوّل من شاب جريح إلى "الناجي الوحيد" من أسرته.

ليمر شهر رمضان هذا العام على محمود ثقيلاً ومختلفًا، فلا صوت لأمه وهي تناديه للإفطار، ولا تجمع عائلي حول مائدة الطعام كما اعتادوا كل عام.

ويقول بحزن عميق: "رمضان كان دائمًا أجمل وقت نجتمع فيه كعائلة، الآن لا يوجد بيت، ولا مائدة إفطار، ولا حتى أصواتهم"، وأكثر ما يؤلمه هو فقدان والدته التي كان يعتبرها مركز حياته "أمي كانت كل شيء بالنسبة لي، كانت السند والحنان، إلى الآن لا أستطيع أن أصدق أنها رحلت".

اليوم يعيش محمود حياة قاسية من التشتت والتشرد، بلا مأوى ثابت ولا مصدر طعام مستقر، فبين ألم الجسد ووجع الفقد، يحاول أن يجد معنى للاستمرار.

ورغم كل ما مرّ به، لا يزال يتمسك بخيط رفيع من الأمل، قائلاً: ""فقدت رجلي… وفقدت عائلتي… لكنني ما زلت أحاول أن أبقى واقفًا، حتى لو كان ذلك على عكازين".

المصدر / فلسطين أون لاين