فلسطين أون لاين

تقرير "عنان".. شهيد ترك لعائلته "إرث البطولة"

...
photo_2026-03-12_18-22-45.jpg
غزة/ محمد حجازي:

"البيوت تبنى بالكرامة لا بالحجارة، والآن أفهم بعمق ماذا كان يقصد، فقد هدموا الحجر وبقيت كرامته تاجا على رؤوسنا، ونورا يضيء لنا عتمة النزوح". بهذه الكلمات تلخص حنان الجعل حكاية زوجها الشهيد "عنان"، الذي لم يرحل كأي عابر سبيل، بل غادر الدنيا تاركا خلفه إرثا من البطولة يتجاوز حدود الموت المعتاد، ليكون "الغائب الحاضر" في أدق تفاصيل عائلته.

في أزقة غزة البسيطة، حيث تولد الحكايات من رحم المعاناة، كان عنان يمثل "الركن الشديد" الذي تأوي إليه العائلة.

لم يكن مجرد رب أسرة يوفر القوت، بل كان القلب الذي اتسع لهموم وطن بأكمله قبل أن يفيض بروحه إلى بارئها، تصفه زوجته لصحيفة "فلسطين" قائلة: "عنان لم يكن زوجي فحسب، كان أخي وأبي وسندي، عشنا في بيت عائلته المتواضع، ورغم ضيق المساحة وكثرة الصعاب، إلا أن فيض حنانه واهتمامه كان يشعرني وكأنني ملكة في قصر مستقل".

تستذكر حنان بمرارة رحلة الشتات والنزوح التي فرضتها حرب الإبادة، تقول: "لقد تركتني الأقدار أواجه وحيدة مرارة النزوح مع أطفالي الأربعة تحت وطأة القصف الوحشي، بينما بقي هو مرابطا على ثغره، ثابتا في ميدان الشرف، كانت كلماته الأخيرة وقودا لروحي حين قال لي: استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، كوني جبلا لا يهزه ريح".

ChatGPT Image 12 مارس 2026، 06_13_40 م.png
 

تضيف: "اليوم، أجد نفسي أمام أمانة ثقيلة، وهي تربية أبنائه على ذات النهج الذي اختاره، كان يقول دائما إن الإنسان موقف، وأنا اليوم أحفظ في صدور أطفاله صورة الأب الذي لم يكسره الخوف يوما، ولم ترهبه آلة القتل".

تابعت: 'لم تكن بطولة عنان في الميدان فحسب، بل كانت في تفاصيل حياته الاجتماعية، فقد كان مضربا للمثل في بر والديه، إذ كان قلبه معلقا بهما، يحيطهما برعاية فائقة رغم قسوة الظروف. ولم يغلق باب بيته يوما في وجه سائل أو ضيف، بل كان مأوى لكل من تقطعت بهم السبل، حتى قبل استشهاده بلحظات، ظل يوزع الابتسامات والمواساة على جيرانه ورفاقه".

وعن انتمائه الوطني، تروي زوجته حاله في يوم السابع من أكتوبر 2023: "كان ذلك اليوم عيدا في قلبه، شعر أن دماء الأطفال والنساء التي سفكها الاحتلال لسنوات بدأت تجد من ينتقم لها، خرج بكل عنفوان ليثخن في العدو، منتقما لكل المظلومين، ومؤمنا بأن فجر الحرية لا بد أن يبزغ من فوهة البنادق".

لم تنته حكاية عنان عند لحظة الاستشهاد، بل أبت الأقدار إلا أن تضفي على رحيله قدسية خاصة، فقد استهدفه صاروخ إسرائيلي حول جسده إلى أشلاء لم تجد لها العائلة سبيلا للدفن.

تقول حنان بحرقة تفتت الصخر: "لم نستطع أن نودعه، ولم نجد له جثمانا نواريه الثرى، صاروخ الاحتلال بخر جسده، وكأنه لم يرد لجسده أن يلمس الأرض التي أحبها إلا وهو جزء من هوائها وترابها".

هذا الغياب الجسدي لم يمنعه من الحضور في وجدان أطفاله الأربعة (ولد وثلاث بنات)، ولده سعيد (12 عاما)، الذي يحمل اسم جده، يستذكر والده بكلمات أكبر من عمره قائلا: "كان والدي يزرع في قلبي حب الأرض كعقيدة، ويحثني دوما على صلاة الجماعة في المسجد وحفظ القرآن الكريم، قائلا لي: (يا سعيد، من حفظ القرآن حفظه الله)، كان يريدني بطلا في ديني وانتمائي، ويوصيني بأن أكون رجلا يحمل الهم من بعده".

رحل عنان الجعل جسدا وبقي فكرة لا تموت، غاب القبر وحضر الوطن في سيرته العطرة، تاركا خلفه عائلة أقسمت أن تواصل الطريق حتى النصر أو الشهادة.

 

المصدر / فلسطين أون لاين