في غزة، حيث يختلط صوت القصف بصمت الخيام، وتحاصر الحرب تفاصيل الحياة اليومية، تواصل رسامة الكاريكاتير الفلسطينية صفاء عودة الإمساك بريشتها لكونها وسيلة للنجاة والتعبير. وبين الخوف والنزوح وانعدام الاستقرار، تحاول أن تنقل عبر رسوماتها حكايات الناس وآلامهم إلى العالم، مؤمنة بأن الفن قادر على قول ما تعجز الكلمات أحيانًا عن وصفه.
وعلى الرغم من الظروف القاسية التي يعيشها قطاع غزة، نجحت صفاء في حصد جائزة كوفي عنان للشجاعة في الكاريكاتير لعام 2026، في إنجاز اعتبرته تكريمًا لصوت غزة بأكملها، ورسالة تقدير لكل من حاول توثيق الحقيقة وسط الحرب.
وصفاء عودة، وهي فنانة فلسطينية من مدينة رفح جنوب قطاع غزة، تحمل درجتي البكالوريوس في الاقتصاد المنزلي والتعليم الأساسي، إلى جانب درجة الماجستير في علم النفس.
وتقول لصحيفة "فلسطين": "بعيدًا عن الرسم، أنا إنسانة متمسكة بالأمل والحياة رغم كل الظروف القاسية التي نعيشها، وأؤمن بأهمية الجانب الإنساني والقدرة على التعبير عن الألم والواقع الذي نمر به".
وترى صفاء أن الكاريكاتير ليس مجرد فن، بل وسيلة للتعبير والتنفيس وتوثيق الواقع خلال الحرب، مضيفة: "شعرت أن الرسم قادر على إيصال المشاعر والتفاصيل الإنسانية بطريقة قد لا تستطيع الكاميرا نقلها بالكامل، لذلك حاولت من خلال رسوماتي توثيق الخوف والألم والتفاصيل اليومية التي عاشها الناس، ونقل صورة حقيقية عمّا يحدث داخل قطاع غزة".
الرسم وسط الخيام والظلام

وتتحدث صفاء عن الصعوبات الكبيرة التي واجهتها خلال الحرب، خاصة مع انقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة، كونها تعتمد بشكل أساسي على الرسم الرقمي باستخدام الحاسوب وأدوات الرسم الإلكترونية.
وتوضح: "اضطررت لاحقًا للعودة إلى الرسم التقليدي باستخدام الورقة والقلم، لكن حتى هذا لم يكن سهلًا، بسبب شح أدوات الرسم وارتفاع أسعارها".
وتضيف: "كانت أوراق الرسم نادرة جدًا، فاضطررت لاستخدام أوراق A4 العادية، وحتى هذه كانت شحيحة ومكلفة، إلى جانب صعوبة توفير أقلام الرسم المناسبة، فضلًا عن التحديات المتعلقة بتصوير الأعمال بشكل واضح باستخدام الهاتف المحمول".
ولم تتوقف الصعوبات عند حدود الأدوات، بل امتدت إلى الجانب النفسي والمعيشي، إذ أثّرت أجواء الخوف والتوتر والعيش داخل الخيام بشكل مباشر على قدرتها على التركيز والإنتاج الفني.
الرسم على المشمع البلاستيكي

وفي محاولة للاستمرار رغم كل الظروف، لجأت صفاء إلى الرسم على جدران الخيمة المصنوعة من المشمع البلاستيكي، بعد ندرة الأوراق والأدوات الفنية.
وتقول: "رفضت فكرة التوقف عن الرسم، لذلك بدأت أبحث عن أي مساحة أو مادة متاحة يمكن استخدامها للتعبير والتوثيق".
وتصف التجربة بأنها كانت صعبة ومتعبة، موضحة أن الرسم على سطح بلاستيكي ليس أمرًا سهلًا، خاصة مع تحرك الخيمة بفعل الرياح، وعدم ملاءمة بعض الأقلام لهذا النوع من الأسطح.
ورغم ذلك، شعرت صفاء بأن لهذه التجربة قيمة خاصة، لأنها حوّلت جزءًا من واقع النزوح ذاته إلى مساحة فنية تحمل رسائل إنسانية وتوثّق ما يعيشه الفلسطينيون في غزة.
وتضيف: "في بعض الأيام كانت الأمطار والرياح تهدد الرسومات بالتلف، وكنت أتنقل بأعمالي من مكان إلى آخر محاوِلة حمايتها، بينما فقدت بالفعل بعض الرسومات".
الفن كوسيلة للمقاومة

وتؤكد صفاء أن كثيرًا من اللحظات دفعتها للتفكير في التوقف، بسبب الضغط النفسي والخوف وانعدام الاستقرار، لكنها كانت تشعر بمسؤولية داخلية تدفعها للاستمرار.
وتقول: "كنت أؤمن أن ما نعيشه يجب أن يُوثّق، وأن دوري كرسامة كاريكاتير هو نقل صوت الناس ومعاناتهم إلى العالم".
وتوضح أن رسوماتها تحاول توثيق الصورة الإنسانية الحقيقية للحرب، مضيفة: "في كثير من رسوماتي توجد صرخات وأوجاع ومشاعر خوف وفقدان، وأتمنى أن تصل هذه الرسائل إلى الناس، وأن يشعروا بحجم المعاناة التي عاشها أهل غزة".
وترى صفاء أن الكاريكاتير أصبح شكلًا من أشكال المقاومة الثقافية والإنسانية، لأنه يحفظ الحقيقة ويرفض الصمت والنسيان.
وتتابع: "أشعر أن رسومات الكاريكاتير ليست مجرد أعمال فنية، بل شهادة بصرية على ما نعيشه، والاستمرار في الرسم وسط هذه الظروف هو بحد ذاته شكل من أشكال المقاومة".
جائزة بحجم الوجع

وعن فوزها بجائزة كوفي عنان للشجاعة في الكاريكاتير لعام 2026، تقول صفاء إنها تلقت الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والتأثر الكبير، خاصة أنه جاء في وقت بالغ الصعوبة تعيشه غزة.
وتضيف: "شعرت أن هذا التكريم ليس لي وحدي، بل هو اعتراف بصوت كل إنسان حاول نقل الحقيقة وتوثيق المعاناة خلال الحرب".
وترى أن الجائزة تمثل تقديرًا لمسيرتها الفنية والإنسانية، ولقدرة الفن على إيصال صوت الناس رغم الحصار والحرب.
وتقول: "هذا التقدير منحني شعورًا بأن ما نقوم به من توثيق ومعاناة لم يذهب هباءً، وأن هناك من يرى ويحاول أن يفهم ما يحدث للفلسطينيين".
وتهدي صفاء هذا الفوز لعائلتها، ولكل إنسان في غزة عاش الألم والخوف وفقدان الأمان خلال الحرب، ولكل من دعمها وآمن بموهبتها وساعدها في إيصال صوتها ورسوماتها إلى العالم.
وتختم حديثها بحلم بسيط يشبه أحلام آلاف الفلسطينيين: "أتمنى أن أعيش حياة آمنة ومستقرة، وأن أرى غزة تنعم بالسلام والحياة الطبيعية بعيدًا عن الحرب والخوف، وأن أواصل الرسم بحرية لأروي قصص الناس ومعاناتهم للعالم".

