عندما محت غارة إسرائيلية أسرة كاملة من السجل المدني في منطقة الفالوجا، شمالي قطاع غزة، في الثاني من ديسمبر/ كانون الأول 2023، لم تكن الضحية عائلة فقط. فقد كان بين الشهداء البروفيسور سفيان تايه، عالم الفيزياء المصنف ضمن أفضل 2 بالمئة من الباحثين في العالم.
في ذلك اليوم، ارتقى تايه شهيدًا مع جميع أفراد عائلته، في جريمة هزت الوسط الأكاديمي والعلمي، ولم تستهدف إنسانا فقط، بل رمزًا من رموز العلم الفلسطيني، وأستاذًا في الفيزياء النظرية والرياضيات التطبيقية، ورئيسًا للجامعة الإسلامية في غزة.
"كان منذ صغره محبًا للمعرفة، شديد الاهتمام بالعلوم، ويميل إلى التفكير العميق والتحليل المنطقي"، بهذه الكلمات يرسم البروفيسور بسام تايه لصحيفة "فلسطين" ملامح علاقة شقيقه مع العلم، التي بزغت في مرحلة مبكرة.
يواصل البروفيسور بسام المُتخصص في الهندسة المدنية، رسم صورة الارتباط بين شقيقه والعلم: "كانت علاقته بالفيزياء علاقة شغف قبل أن تكون تخصصًا أكاديميًا. كان يرى في الفيزياء لغة لفهم الكون، وقانونًا يربط بين التفكير العلمي والدقة والانضباط".
كما تميز منذ مراحله الدراسية الأولى بالجدية والهدوء والمثابرة، وكان لديه إيمان عميق بأن الطالب الفلسطيني، رغم الحصار والظروف الصعبة، يستطيع أن يُنافس عالميًا إذا امتلك الإرادة والعلم والأخلاق.
يعود بالذاكرة إلى بدايات المشوار العلمي لشقيقه: بدأ العالم سفيان وكنيته "أبو أسامة"، مشواره من مقاعد الدراسة في غزة، وحصل على شهادة البكالوريوس في الفيزياء من جامعة بنغازي في ليبيا ثم التحق بالجامعة الإسلامية في غزة، حيث واصل دراسة الماجستير في الفيزياء.
وبفضل تفوقه العلمي واجتهاده، أصبح من الكفاءات الأكاديمية البارزة في الجامعة، ثم تدرج في العمل الأكاديمي والبحثي حتى وصل إلى درجة الأستاذية.
ويشير البروفيسور بسام، إلى أن وصول العالم سفيان إلى هذه المكانة لم يكن أمرًا عاديًا؛ فقد جاء نتيجة سنوات طويلة من البحث والتدريس والإشراف وخدمة الطلبة والجامعة. وقد جمع بين شخصية العالم المتخصص، والأستاذ القريب من طلبته، والإداري القادر على تحمل المسؤولية في ظروف صعبة ومعقدة.
وعلى مدار حياته، تعددت المحطات المهنية التي خاضها البروفيسور سفيان، ومن أبرزها أنه عمل مدرسًا في قسم الفيزياء بالجامعة الإسلامية منذ عام 1994، ثم شغل عدة مناصب أكاديمية وإدارية مهمة، منها: رئيس قسم الفيزياء، ونائب عميد القبول والتسجيل، وعميد القبول والتسجيل، ومساعد نائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية، ثم رئيس الجامعة الإسلامية في غزة منذ أغسطس 2023 وحتى استشهاده، والحديث لا يزال لشقيقه.
ولم ينحصر النشاط العلمي للبروفيسور في حدود فلسطين، إذ يقول بسام: كان له حضور علمي خارج فلسطين، حيث عمل أستاذًا زائرًا في جامعة "واترلو" في كندا، إضافة إلى مشاركاته العلمية وتواصله مع باحثين ومؤسسات أكاديمية دولية.
إرث علمي
يوم المجزرة كان البروفيسور سفيان وأسرته على موعد مع الغياب. استشهد معه أبناؤه أسامة وعبد الرحمن وأسيل وإسراء ولانا. كان أسامة طبيبًا بشريًا، وأسيل طبيبة أسنان، فيما كانت إسراء تدرس طب الأسنان.
يتنهد البروفيسور بسام قائلاً: "كان الدكتور سفيان أبًا ومربيًا قبل أن يكون أستاذًا ورئيس جامعة. وقد غرس في أبنائه وأسرته حب العلم، والالتزام، والأخلاق، وخدمة الناس".
بعد المجزرة الإسرائيلية التي أودت بحياته مع عائلته، بقي أثر البروفيسور سفيان حاضرًا، فقد ترك إرثًا علميًا مهمًا في مجال الفيزياء النظرية والرياضيات التطبيقية، وتركزت أبحاثه في موضوعات علمية متقدمة مثل البصريات، والموجات الكهرومغناطيسية، والمواد ذات الخصائص الخاصة، وتطبيقات "النانو" و"الجرافين" وغيرها من المجالات الدقيقة.
ومن إنجازاته، أنه كان من الباحثين الفلسطينيين البارزين الذين رفعوا اسم فلسطين في قواعد البيانات والمجلات العلمية الدولية. كما حصل على جوائز وتقدير علمي، منها جائزة التميز في النشر العلمي على مستوى فلسطين، وجائزة شومان للباحثين العرب عام 2013. وصنف عام 2020 حتى 2023 من بين أفضل 2 بالمئة من الباحثين في العالم حسب تصنيف جامعة ستانفورد الأمريكية.
ويضيف شقيقه: "كان يؤمن بالبحث العلمي على أنه وسيلة لبناء الإنسان، وتعزيز مكانة الجامعة الفلسطينية، وإثبات أن غزة قادرة على إنتاج المعرفة رغم الحصار والعدوان".
ولم يكن إسهام العالم سفيان في الأبحاث المنشورة فقط، بل في بناء جيل من الطلبة والباحثين، وتشجيعهم على النشر العلمي، والالتزام بأخلاقيات البحث، وربط العلم بخدمة المجتمع الفلسطيني، وفق البروفيسور بسام.
ويرى، أن الإرث العلمي الأكبر للعالم سفيان كان في طلبته وزملائه وكل من تعلم منه، مستدركًا: كان يتعامل مع طلبته كأبناء، يشجعهم، يوجههم، ويعلمهم معنى الأمانة العلمية. كثير من طلبته اليوم يحملون أثره في شخصياتهم ومسيرتهم، وهذا هو الخلود الحقيقي للعالم: أن يبقى علمه حيًا في تلاميذه وأثره في مؤسسته ومجتمعه.
حلم لم يكتمل
كان حلم الدكتور سفيان أن يرى الجامعة الفلسطينية، وخاصة الجامعة الإسلامية في غزة، في موقع متقدم بين الجامعات العالمية، وأن يرى الباحث الفلسطيني حاضرًا بقوة في المحافل العلمية الدولية. كان يحلم بأن لا تكون غزة مجرد مكان للحصار والمعاناة، بل مركزًا للعلم والإبداع والصمود.
يعتقد البروفيسور بسام، أن شقيقه حقق جزءًا كبيرًا من هذا الحلم من خلال مسيرته العلمية، ومن خلال طلبته، وأبحاثه، وإدارته الأكاديمية، ورفعه اسم فلسطين في المجال العلمي. لكنه استشهد قبل أن يكتمل حلمه الكبير في بناء بيئة علمية فلسطينية مستقرة وآمنة وقادرة على النمو دون قصف أو حصار أو تدمير.

بنبرة حزن، يقول بسام: استشهاد الدكتور سفيان لم يكن خسارة لعائلته فقط، بل خسارة كبيرة للجامعة الإسلامية، وللتعليم العالي الفلسطيني، وللمجتمع العلمي العربي والدولي. نحن فقدنا عالمًا، وأستاذًا، وقائدًا أكاديميًا، وإنسانًا متواضعًا حمل همّ الجامعة والطلبة والبحث العلمي.
وفي بيئة مثل غزة، حيث الإمكانات محدودة والظروف قاسية، يُمثل فقدان عالم بهذه الخبرة خسارة مضاعفة؛ لأن بناء عالم يحتاج إلى عشرات السنين، بينما يُمكن أن تقتل آلة الحرب هذا العطاء في لحظة، واستشهاده كان جزءًا من استهداف أوسع للعقول والمؤسسات التعليمية في غزة، يتابع حديثه.
تخصص نادر
اختصاصي الفيزياء سمعان عطالله، يصف بدوره البروفيسور سفيان بأنه "عالم عظيم ذو علم متفرد"، مشيرًا إلى ندرة تخصصه الذي لا يقبل عليه كثير من الناس لحاجته إلى جهد وقدرات عقلية فائقة.
في حديث مع صحيفة "فلسطين"، يقول عطالله عن جريمة اغتيال البروفيسور سفيان: مادام هناك عقل فائق يقود عقولاً متقدمة فمن المؤكد أن الاحتلال سيستهدفه لأنه يعادي الشعب الفلسطيني في جميع الاتجاهات.
ويؤكد عطالله أن استهداف العالم سفيان يندرج ضمن سياسات الاحتلال القائمة على قتل العقول أو التهجير أو النفي أو عدم توفير فرصة لوجود متعلمين كهذه القامة العظيمة.
ويمثل العلم سلاح الشعب الفلسطيني الذي لا يملك مقومات كتلك التي تملكها الدول، لكنه يملك الإنسان والاستثمار في القدرة البشرية وهو من أكثر الشعوب تعلمًا -وفق عطالله- مبينًا أن وجود طاقة فاعلة وعظيمة وإمكاناتها واسعة وعقلية متقدمة كالبروفيسور سفيان يناقض الاحتلال.
"يخشى الاحتلال من هذه العقول، لذا فهو حتمًا يُطاردها ويقتل العلماء في خارج وداخل فلسطين، لأن ديدن الاستعمار والاحتلال أنه لا يريد أن يرى هذه النخب العلمية"، يتابع عطالله حديثه.
رحل البروفيسور سفيان مع أسرته، لكن عشرات الأبحاث التي نشرها، ومئات الطلبة الذين تتلمذوا على يديه، وآلاف الساعات التي قضاها في بناء الجامعة والبحث العلمي، ما تزال شاهدة على مسيرة عالمٍ خرج من غزة ليصل إلى العالم، قبل أن تُغيبه الحرب.

