فلسطين أون لاين

رفح وجع لا يهدأ

اليوم بمرّ عامين على ذاك اليوم اللي انقلبت فيه حياتنا رأسًا على عقب… اليوم اللي تركنا فيه رفح، أنا وربع مليون إنسان، ومئات الآلاف من النازحين اللي كانوا مستضافين بالمدينة، مش بإرادتنا… بل غصب عنا، تحت صوت القصف، ورعب الموت، وخوف ما إلو وصف، وكأن الأرض نفسها كانت بتطردنا من بين بيوتها.

طلعنا من بيوتنا وإحنا مش عارفين رايحين لوين، ولا إمتى ممكن نرجع… طلعنا وإحنا شايلين معنا شوية هدوم، وذكريات أثقل من الجبال، ووجع أكبر من قدرتنا نحكيه. بيوتنا اللي تعبنا فيها سنين صارت ركام بلحظة، وشوارعنا اللي كانت مليانة حياة وضحك وجيران، صارت صامتة ومهدومة، كأنها ما عاشت يومًا.

رفح اليوم مش زي ما كانت… رفح اللي كانت حضن، صارت ذكرى موجعة، وصورة ما بتفارق الذاكرة مهما حاولنا ننساها.

صرنا نعيش بالخيام… خيمة ما بتحمي من حر الصيف اللي بيحرق الجلد، ولا من برد الشتاء اللي بيوصل للعظم. بالصيف بنختنق من الحر، وبالشتا بنغرق من المطر والبرد، وبينهم الجوع ما بفارقنا يوم، وكأنو صار ظلّنا اللي ما بيفارقنا.

مش بس الجوع… كمان الفقر، والحرمان، وقلة الحيلة. بنوقف بالساعات عشان وجبة يمكن ما تكفي طفل، أو ميّة نظيفة ممكن توصل أو لا. كل يوم معركة جديدة، بس سلاحنا الوحيد فيها هو الصبر، والصبر بس صار متعب أكتر من الجوع نفسه.

وحتى النوم ما عاد راحة… القوارض صارت شريكة بالخيمة، والحشرات ما بترحم، والليل صار ثقيل أكتر من النهار. أطفالنا بصحوا مفزوعين، من لسعات، ومن برد، ومن أصوات ما بتنتهي. صرنا نخاف من كل إشي… من اللي بنشوفه، ومن اللي ما بنشوفه، ومن بكرة اللي مش عارفين شو مخبّي.

عامين مرّوا… بس كأنهم عمر كامل انحط فوق عمرنا. لا رجعنا، ولا نسينا، ولا تعودنا. كل يوم بنصحى على أمل إنه الكابوس يخلص، بس الواقع لسه أقسى من أي حلم نجاة.

الهجرة مش بس إنك تترك بيتك… الهجرة إنك تترك جزء منك وراك، يمكن ما يرجع أبدًا، وتضل عايش تحاول تجمعه من بين الركام.

إحنا مش أرقام… إحنا ناس إلنا حكايات، وأحلام كانت بسيطة جدًا: بيت دافي، وشارع مألوف، وصوت جيران… بس الحرب سرقتها كلها بدون ما تستأذن.

وبعد عامين، لسه السؤال نفسه:

إمتى نرجع؟

وإذا رجعنا… هل لسه في إشي نرجعلو؟