فلسطين أون لاين

حين تتعثر العدالة عند بوابة العودة

تثير الاستقالات الأخيرة داخل منظمة "هيومن رايتس ووتش" تساؤلات متزايدة بشأن حدود الاستقلالية في عمل منظمات حقوق الإنسان الدولية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية وحقوق اللاجئين.

وتشير قراءات حقوقية مستقلة إلى أن قرار تعليق تقرير يتناول إنكار حق عودة اللاجئين الفلسطينيين لا يمكن فصله عن ضغوط سياسية ممنهجة تواجهها هذه المنظمات عند اقترابها من جوهر الصراع.

وترى هذه القراءات أن ما جرى يتجاوز كونه خلافًا إجرائيًا أو قانونيًا، ليعكس أزمة أعمق تتعلق بتآكل استقلالية القرار الحقوقي وتغليب الاعتبارات السياسية على التطبيق المتسق للقانون الدولي. كما تُعدّ الاستقالات مؤشرًا مقلقًا على اهتزاز الثقة داخل المنظومة الحقوقية الدولية، بما يحمله ذلك من تداعيات تتجاوز مؤسسة بعينها إلى مصداقية العمل الحقوقي برمّته، خصوصًا في ما يتعلق بحقوق غير قابلة للتصرف مثل حق العودة وتقرير المصير.

جاءت الاستقالات بعد قرار تعليق نشر تقرير خلص إلى أن حرمان اللاجئين الفلسطينيين من حق العودة يندرج ضمن الجرائم ضد الإنسانية.

وبحسب ما كُشف في رسائل الاستقالة، فإن قرار سحب التقرير خالف آليات المراجعة المعتمدة داخل المنظمة، وعكس تغليب المخاوف من ردود الفعل السياسية على الالتزام بالوقائع القانونية.

وقد أحدثت هذه التطورات اضطرابًا داخل واحدة من أبرز منظمات حقوق الإنسان عالميًا، بالتزامن مع تغيّرات إدارية في قيادتها. كما أظهرت التجربة أن “حق العودة” ما يزال من أكثر الملفات حساسية حتى داخل الأوساط الحقوقية الدولية، رغم اتساع استخدام توصيفات قانونية جسيمة في النقاش العام المتعلق بإسرائيل.

التقرير غير المنشور، الذي بدأ العمل عليه مطلع عام 2025، وثّق شهادات فلسطينيين نزحوا من غزة والضفة الغربية، إضافة إلى لاجئين في دول الجوار هُجّروا منذ عامي 1948 و1967 ويعيشون أوضاعًا إنسانية قاسية.

وخلص معدّوه إلى أن إنكار حق العودة يمكن تصنيفه ضمن “الأفعال اللاإنسانية الأخرى” المندرجة في تعريف الجرائم ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي وقرارات قضائية دولية سابقة.

وكان من المقرر نشر التقرير في كانون الأول/ديسمبر 2025، قبل أن يُطرح تأجيله بدعوى ضعف الخلاصة القانونية، ما دفع مئات الموظفين داخل المنظمة إلى توقيع رسالة احتجاج حذّروا فيها من تقويض الثقة والشفافية في آليات المراجعة.

تذهب تحليلات حقوقية إلى أن تعليق التقرير لا يمكن فهمه بوصفه مسألة تقنية، بل باعتباره انعكاسًا لحجم الضغوط السياسية التي تواجهها المنظمات الدولية عند تناولها حقوق الفلسطينيين، وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير.

ويُنظر إلى هذه الخطوة بوصفها سابقة تمسّ مبدأ استقلالية العمل الحقوقي، وتفتح الباب أمام تسييس معايير العدالة الدولية بدل الاحتكام الصارم للقانون والأدلة.

كما تؤكد هذه القراءات أن حق العودة ليس مطلبًا سياسيًا قابلًا للتفاوض، بل حقًٌا فرديًّا وجماعيًٌا غير قابل للتصرف، تكفله قرارات أممية ومبادئ راسخة في القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان. ومن ثمّ فإن التعامل معه باعتباره ملفًا “حساسًا” يعكس خللًا قانونيًا وأخلاقيًا في مقاربة معاناة ملايين اللاجئين الفلسطينيين.

وتكشف التطورات داخل المنظمة عن أزمة أوسع تتعلق بتأثير الضغوط السياسية والمالية في قرارات النشر وصياغة التقارير وحتى في اختيار المصطلحات القانونية، وهو ما يثير تساؤلات عن قدرة المنظومة الحقوقية الدولية على الحفاظ على استقلاليتها عند اختبارها في القضايا الأكثر تعقيدًا سياسيًا.

لا تقتصر آثار الاستقالات على البعد المؤسسي الداخلي، بل تمتد إلى ثقة الضحايا أنفسهم بمنظومة حقوق الإنسان الدولية.

فالتراجع عن نشر تقارير موثّقة قانونيًا تحت وطأة الضغوط يهدد مصداقية هذه المؤسسات، ويطرح تساؤلًا جوهريًا عن مدى قدرتها على تمثيل الضحايا والدفاع عن حقوقهم دون انتقائية.

وتشير تقديرات حقوقية إلى أن المنظمات الدولية العاملة في الأراضي الفلسطينية تواجه منذ سنوات ضغوطًا سياسية وإعلامية ومالية ممنهجة، تتجلى في حملات التشويه والضغط على الممولين وفرض كلفة سياسية على أي توصيف قانوني واضح للانتهاكات المرتكبة.

كما أن القيود المفروضة على عمل المؤسسات الدولية في الأراضي الفلسطينية، بما يشمل سحب التصاريح ومنع دخول الموظفين وعرقلة إدخال المعدات والمساعدات، تعكس نمطًا أوسع من التضييق على توثيق الانتهاكات.

ويُنظر إلى تقييد العمل الميداني وتقييد نشر التقارير بوصفهما وجهين لمشهد واحد عنوانه الأبرز: الحدّ من وصول الحقيقة إلى المجتمع الدولي وتقويض مسار المساءلة.

في ضوء هذه التطورات، يتجاوز الجدل حدود تقرير مؤجَّل أو استقالات فردية، ليطرح سؤالًا أعمق عن مستقبل استقلالية العمل الحقوقي الدولي عند تعامله مع القضية الفلسطينية.

فبين مقتضيات القانون وضغوط السياسة، يبقى مصير حقوق أساسية—وفي مقدمتها حق العودة—رهين قدرة المنظومة الحقوقية على الصمود أمام الاختبارات الأكثر حساسية.