فلسطين أون لاين

أجنحتها ترمز للحرية.. أسير محرر يداوي ذاكرة الأسر بين شقشقة الطيور

...
الشاب عبد اللطيف حلس
غزة/ أدهم الشريف:

بخطواتٍ مُثقَلة وجسدٍ أنهكه الجوع والتعب، تقدم عبد اللطيف حلس في ساحة سجن النقب وهو يحمل طبقًا صغيرًا. ارتجفت يداه وهو يحاول الحصول على حصةٍ صغيرةٍ من الطعام، فتساقطت حبات الأرز أرضًا قبل أن تنقض عليها مجموعة من العصافير. وما إن التقطتها بمناقيرها، حتى رفرفت بأجنحتها وحلَّقت بعيدًا.

يومها، لم يكن عبد اللطيف يرى في تلك العصافير مجرد طيور تبحث عن طعامها، بل كائنات تمتلك ما حرمته منه قضبان السجون الإسرائيلية؛ الحرية.

"كنت أنظر إليها بحسرة، وأتساءل متى سأصبح حرًا مثلها"، استعاد عبد اللطيف بهذه الكلمات صورًا راسخة من ذاكرة السجن.

اليوم، هو من يضع لعصافيره وطيوره الطعام وتبقى هي داخل أقفاصها؛ يراقبها ويطعمها ويعتني بها، مجسدًا اهتمامه الكبير بهوايته المفضلة التي كان يمارسها قبل اعتقاله، وعاد لها بعد إطلاق سراحه من سجون الاحتلال.

فالشاب البالغ (21 عامًا)، وفق قوله لصحيفة "فلسطين"، رغم أنه فقد الكثير من طيور الزينة، إلا أنه استطاع جلب غيرها والاعتناء بها، محاولًا أن يحفظ شيئًا من الجمال والحياة في مدينة دمرتها الحرب.

بالنسبة لعبد اللطيف، لم يكن اهتمامه بطيور الزينة مجرد هواية عادية في حياته، فمنذ أن كان طفلًا لا يتجاوز عمره (12 عامًا)، ورث تربيتها عن أقاربه، حتى صار يجد في العناية بالكناري والحسون وطيور الحب والكوكتيل متعة خاصة، ويقضي وقتًا طويلًا بالقرب منها، والاستماع إلى شقشقتها.

لكن أصواتها الجميلة سرعان ما اختفت بعدما بدأت (إسرائيل) حربها المدمرة على غزة.

WhatsApp Image 2026-05-31 at 4.43.56 PM.jpeg
 

في اليوم الأول للحرب التي اندلعت يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، دفع القصف الإسرائيلي عبد اللطيف وعائلته إلى ترك منزلهم الذي كان قائمًا في منطقة حدودية بحي الشجاعية، شرقي مدينة غزة، والنزوح نحو المجهول.

كان القصف العنيف والتحليق المكثف للطائرات الحربية كافييْن لأن يجبراه على ترك كل شيء خلفه، حتى طيوره التي رباها ورعاها لأعوام طويلة، بقيت في المنزل الذي تعرض للقصف في اليوم الثالث للحرب، ودمرته الغارات الجوية بالكامل.

"لم يكن أمامنا مزيد من الوقت، القصف بدأ فجأة وكان شديدًا، ويستهدف كل شيء، تركت عصافيري وطيوري داخل أقفاصها، وبالكاد استطعت أن آخذ بعض الملابس والاحتياجات الأساسية"، قال عبد اللطيف وبدا حزينًا.

وتحت وطأة تهديدات جيش الاحتلال بإخلاء مدن وأحياء سكنية كاملة في محافظة شمالي القطاع ومدينة غزة، لم يكن أمامه وعائلته سوى التوجه إلى جنوبي القطاع، بحثًا عن ملاذٍ آمن بين الشوارع والأزقة ومراكز الإيواء.

هناك، لم يشعر عبد اللطيف بالراحة مطلقًا، حتى المناطق التي زعم جيش الاحتلال أنها آمنة كانت أكذوبة إسرائيلية بالنسبة له، ودون علم أحد من أفراد عائلته، قرر العودة إلى مدينة غزة، مرورًا بمحور "نيتساريم" عندما كان خاضعًا لسيطرة جيش الاحتلال إبّان الحرب.

ما إن وصل إلى "المحور"، حيث شيَّد جيش الاحتلال مواقع عسكرية، وثبَّت رافعات مزودة بكاميرات وأسلحة تطلق نيرانها بشكل آلي، حتى فوجئ بقوة عسكرية مدججة تعتقله وتقتاده إلى جهة مجهولة قبل أن يُنقل إلى سجن "سديه تيمان" سيِّئ السمعة.

حدث كل هذا يوم 25 ديسمبر/ كانون الأول 2023، ومنذ ذلك الحين وذاكرته مثقلة بمشاهد القهر والتعذيب التي تعرض لها.

"خضعت لتحقيق مكثف، وتعذيب شديد في (سديه تيمان) بدون أي سبب، سوى أنني من سكان غزة. لا أعرف ما الذي ارتكبته حتى يعاملوني بهذه الطريقة؛ ضرب، وتعذيب، وشتائم لا تتوقف".

لاحقًا، قررت سلطات الاحتلال نقله إلى سجن النقب، حيث يقبع أسرى فلسطينيون، ويتعرضون لأشكال مختلفة من التعذيب.

وفي لحظات اختلطت فيها مخاوف عبد اللطيف بآلامه الجسدية، كان يراقب الطيور عندما تهبط وتلتقط قوتها من طعام تساقط من أطباق الأسرى، ثم تُحلِّق خارج أسوار السجن، حتى صارت شقشقتها ورفرفة أجنحتها امتدادًا لحلمه بحرية قريبة.

وعندما قرر الاحتلال إطلاق سراحه، كان قد مضى على اعتقاله 13 شهرًا كاملًا، رأى بعدها ما لم يتوقعه يومًا ما. أحياء بكاملها تحولت إلى ركام، ووجوه كثيرة غابت، بينما تركت الحرب آثارها الثقيلة على الحجر قبل البشر.

ففي خضمِّ الحرب، لم يكتفِ جيش الاحتلال بتدمير المنازل، بل لجأ إلى محو أحياء ومدن كاملة وأحال مبانيها ومنازلها إلى ركام، لاسيما في المناطق التي ابتلعها "الخط الأصفر"، حيث يفرض الاحتلال سيطرته بقوة النيران.

بعد تحرره من السجون، لم تكن العودة إلى الحياة سهلة كما يتخيلها عبد اللطيف، فالحرب التي كانت مستمرة حينها على غزة ما زالت تأكل البشر والحجر دون هوادة، ولم تترك الكثير من فرص النجاة.

وسط هذا كله، عاد عبد اللطيف إلى هوايته بحثًا عن مساحة صغيرة من الهدوء والجمال، وقد لجأ إلى شراء طيور كناري وزينة، رغم صعوبة الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع أسعار الأعلاف ومستلزمات التربية.

داخل غرفة صغيرة مصنوعة من شوادر بلاستيكية، ومزودة بنوافذ للتهوية تغطيها شباك معدنية خفيفة، في حي النصر غربي مدينة غزة، حيث ينزح وعائلته هناك، أعاد عبد اللطيف تجهيز أقفاص صنعها بشكل يدوي. في الصباح الباكر يستيقظ ليتفقد طيوره، ويبدل الماء، وينظف الأقفاص، ويوزع الطعام بعناية.

وبينما تنشغل الطيور بالتغريد والحركة، يشعر عبد اللطيف بشيء من السكينة، فهي لم تعد مجرد طيور تتلقى الرعاية والاهتمام، بل وسيلته لمواجهة الذكريات الصعبة التي ترافقه منذ خروجه من الأسر.

يصف الشاب، الذي التحق مؤخرًا بدراسة تخصص الذكاء الاصطناعي، ويضع مكتبه الدراسي داخل غرفة العصافير، علاقته بها بأنها تتجاوز الهواية. "حين أراقبها أشعر أن الحياة ما زالت مستمرة. رغم كل ما مررنا به من فقدان وحرب ودمار، ما يزال هناك ما يستحق العناية والاهتمام"، قال وهو يشير إلى طير كناري يرقد فوق 3 بيوض.

وفي مشهد يثبت مدى خبرته وقدرته على فهمها، أمسك عبد اللطيف بعصفور كناري أبيض اللون، وبدأ يطعمه في فمه بواسطة أنبوب صغير. وعندما حصل على وجبته، حلَّق العصفور داخل الغرفة، قبل أن يهبط على كتفه. عندها أمسك به وتحسس رأسه بخفَّة، تمامًا كما كان يعطف عليه ويطعمه عندما توفيت أمه وتركته صغيرًا

المصدر / فلسطين أون لاين