فلسطين أون لاين

العيد في غزة.. حين يتحول الفرح إلى ذاكرة مؤجلة

يأتي العيد كل عام محمّلاً بمعاني الفرح والطمأنينة ولمّ الشمل، فتستعد المدن لاستقباله بالأضواء والملابس الجديدة وأصوات الأطفال التي تملأ الشوارع حياةً وبهجة. غير أن غزة استقبلت العيد بصورة مختلفة تمامًا؛ إذ لم يعد العيد مناسبة للاحتفال بقدر ما أصبح اختبارًا جديدًا لقدرة الإنسان الفلسطيني على الصمود في وجه الألم والفقد والحرب.

في غزة، لا يبدأ صباح العيد بأصوات الألعاب وضحكات الأطفال فقط، بل يمتزج بأصوات القصف وصفارات الإسعاف وقلق الأهالي على مصير أبنائهم. كثير من العائلات لم تعد تملك القدرة على شراء احتياجات العيد الأساسية، في حين فقدت عائلات أخرى بيوتها أو أحباءها، فتحول العيد من موسم للفرح إلى مساحة تستحضر الغائبين وآثار الدمار التي خلفتها الحرب.

وبالرغم من هذا المشهد القاسي، حاول سكان غزة التشبث بما تبقى من طقوس العيد. بعض الأمهات يصنعن الحلوى بإمكانات بسيطة كي لا يشعر الأطفال بأن الحياة توقفت تمامًا، فيما يحرص الآباء على شراء لعبة صغيرة أو قطعة ملابس متواضعة رغم الظروف الاقتصادية الخانقة. تلك التفاصيل الصغيرة تبدو في أماكن أخرى أمورًا اعتيادية، لكنها في غزة تتحول إلى فعل مقاومة نفسي وإنساني، ورسالة تقول إن الفلسطيني ما زال متمسكًا بحقه في الحياة.

الأطفال هم الفئة الأكثر تأثرًا بمأساة العيد في غزة. فالطفل الذي كان ينتظر العيد ليرتدي ملابسه الجديدة ويزور أقاربه، بات يعيش مشاهد النزوح والخوف وفقدان الأصدقاء والأقارب. كثير منهم لم يعد يربط العيد بالفرح كما كان سابقًا، بل صار مرتبطًا لديه بأجواء التوتر والحرمان. ومع ذلك، تبقى ابتسامة طفل غزيّ واحد قادرة على اختصار حكاية شعب كامل يرفض الاستسلام رغم كل ما يمر به.

أما الشوارع والأسواق التي كانت تضج بالحياة قبل العيد، فقد تغيرت ملامحها كثيرًا. بعضها تحول إلى ركام، وبعضها الآخر يفتقد الحركة المعتادة بسبب الأوضاع الأمنية والاقتصادية. ومع هذا، يواصل الناس الخروج إلى الأسواق ومحاولة خلق أجواء بسيطة للعيد، وكأنهم يؤكدون أن الحياة لا يمكن أن تُهزم بالكامل مهما اشتدت الحروب.

العيد في غزة لا يحمل بعدًا دينيًا واجتماعيًا فحسب، بل يحمل أيضًا بُعدًا سياسيًا وإنسانيًا عميقًا. فهو يكشف حجم المعاناة التي يعيشها المدنيون، ويعيد طرح الأسئلة حول مسؤولية المجتمع الدولي تجاه ما يحدث. ففي الوقت الذي يحتفل فيه العالم بالأعياد والمناسبات، يعيش كثير من أطفال غزة بلا مأوى أو غذاء كافٍ أو شعور بالأمان، وسط عجز دولي واضح عن إنهاء معاناتهم.

ومع كل ذلك، تبقى غزة قادرة على صناعة مشاهد مدهشة من التماسك الإنساني. فالعائلات تتشارك الطعام، والجيران يساند بعضهم بعضًا، والمتطوعون يحاولون إدخال الفرح إلى قلوب الأطفال عبر مبادرات بسيطة، تؤكد أن روح المجتمع ما زالت حيّة رغم كل الجراح. هذه الروح الجماعية هي التي منحت غزة قدرتها على الصمود عبر السنوات، وجعلت من العيد مناسبة لإظهار قوة الإرادة أكثر من كونه مناسبة للترف والاحتفال.

 العيد في غزة ليس مجرد يوم عابر في التقويم، بل صورة مكثفة لمعاناة شعب يحاول أن يحافظ على إنسانيته وسط الحرب. وبين الركام والدموع، يظل الفلسطيني مؤمنًا بأن الفرح المؤجل سيأتي يومًا ما، وأن الأعياد ستعود حاملةً معها أصوات الحياة بدل أصوات الموت.

المصدر / فلسطين أون لاين