فلسطين أون لاين

تقرير الضَّفَّة تحت نيران المستوطنين... تسليح وهجمات تدفع المواجهة الشَّعبيَّة إلى أخطر مراحلها

...
صورة من الأرشيف لمستوطن يحمل سلاحًا ضد الفلسطينيين في منازلهم وقراهم ومزارعهم بالضفة والقدس
غزة- نابلس/ علي البطة:

تشهد الضفة الغربية المحتلة خلال الأشهر الأخيرة تصاعدا ملحوظا في اعتداءات المستوطنين، لم تعد تقتصر على أعمال تخريب محدودة أو هجمات متفرقة، بل تحولت إلى عمل منظم من العنف يستهدف قرى الضفة والأراضي الزراعية والتجمعات السكانية، في ظل بيئة سياسية وأمنية تشجع على توسع هجمات عصابات المستوطنين.

هذا التصاعد برز بوضوح في الهجوم الذي تعرضت له بلدة أبو فلاح شمال شرق رام الله وسط الضفة الأحد الماضي، فقد اقتحم مستوطنون البلدة وأطلقوا النار على المواطنين، ما أسفر عن استشهاد ثلاثة فلسطينيين وإصابة عدد آخر بجروح متفاوتة، في واحدة من أكثر الهجمات دموية خلال الفترة الأخيرة.

طالع المزيد: توسيع إسرائيلي لـ"مليشيات المستوطنين" وإنذار بجرائم قتل وتهجير ضد الفلسطينيين

وأعلنت وزارة الصحة في رام الله أن الشابين ثائر حمايل وفارع حمايل استشهدا بعد إصابتهما بالرصاص في الرأس خلال الهجوم، فيما استشهد محمد حسن مرة بعد تعرضه لاختناق بالغاز المسيل للدموع، حيث وصل إلى المستشفى وقلبه متوقف.

ولا تقف الاعتداءات عند حدود القتل المباشر، إذ شهدت فجر أمس مناطق عدة من الضفة المحتلة عمليات تخريب واسعة استهدفت الأراضي الزراعية، خاصة في القرى المحيطة بمدينة نابلس شمالي الضفة، فقد اقتلع المستوطنون نحو 200 شجرة زيتون في قرية جوريش جنوب المدينة.

وتقول منظمات حقوقية، إن هذه الاعتداءات تأتي ضمن سلسلة عمليات تخريب متكررة طالت القرية خلال الفترة الماضية، شملت تحطيم مركبات وسرقة خزانات مياه، في محاولة واضحة لتضييق الخناق على المزارعين ودفعهم إلى التخلي عن أراضيهم.

وفي جنوب الخليل جنوبي الضفة، تصاعد التوتر في منطقة مسافر يطا، حيث اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، مواطنين بينما تعرض ناشط أجنبي للضرب من قبل مستوطنين أثناء توثيقه الانتهاكات في قرى المنطقة، في مؤشر على اتساع نطاق الاعتداءات لتشمل حتى المتضامنين الدوليين.

كما شهدت قرى أخرى اعتداءات مختلفة، بينها إطلاق مستوطنين قطعان أغنامهم داخل المحاصيل الزراعية في قرية سويا، ما أدى إلى إتلاف مساحات واسعة من الأراضي المزروعة، وهو أسلوب يتكرر في مناطق عدة من الضفة بهدف إلحاق خسائر اقتصادية بالمزارعين.

تغيير قواعد المواجهة

ويرى ناشطون أن ما يجري على الأرض يعكس تحولا خطيرا في طبيعة الصراع، بعد دخول السلاح بشكل واسع إلى أيدي المستوطنين بقرار من حكومة اليمين المتطرفة، ما جعل المواجهة مع الفلسطينيين أكثر دموية وتعقيدا.

الناشط في المقاومة الشعبية وعضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني خالد منصور يقول لصحيفة "فلسطين"، إن عصابات المستوطنين أصبحت اليوم أكثر تنظيما وإصرارا وجرأة على تنفيذ مخططات السيطرة على الأرض وطرد الفلسطينيين من الضفة الغربية.

ChatGPT Image 12 مارس 2026، 04_14_39 م.png
الناشط في المقاومة الشعبية وعضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني خالد منصور

ويضيف أن المعركة على الأرض تتصاعد في عدة مناطق، بدأت في القدس عبر سياسات تهجير ممنهجة، ثم انتقلت إلى الأغوار حيث تتعرض التجمعات البدوية والرعوية لضغوط متزايدة، قبل أن تمتد اليوم إلى قرى جنوب شرق نابلس ومحيط رام الله وجنوب الخليل.

وبحسب منصور، فإن حكومة الاحتلال تجاوزت عمليا كل الالتزامات السياسية، بما فيها اتفاقيات أوسلو، وسمحت بتوسيع نفوذ المستوطنين وتوفير الغطاء السياسي والعسكري لهم لتنفيذ مخططات السيطرة على الأراضي.

ويشير إلى أن حكومة نتنياهو قامت بتسليح المستوطنين بشكل غير مسبوق، فوزعت أكثر من مئة ألف قطعة سلاح عليهم في الضفة المحتلة، ما أدى إلى تغيير طبيعة المواجهة الميدانية بين المستوطنين من جانب، والفلسطينيين من الجانب الآخر.

ويؤكد أن وجود السلاح في أيدي المستوطنين منحهم جرأة أكبر على إطلاق النار المباشر على الفلسطينيين، في ظل ما يصفه بضوء أخضر من الجيش والحكومة المتطرفة لتنفيذ هذه الاعتداءات دون مساءلة.

ree-1773070404.webp

المتطرف بن غفير يوسع منح تراخيص حمل السلاح للمستوطنين بالضفة والقدس 

تراجع المقاومة الشعبية وتحديات المواجهة

في المقابل، يرى منصور أن المواجهة الشعبية الفلسطينية تمر بمرحلة صعبة مقارنة بالسنوات الماضية، إذ أصبحت أدوات المقاومة الشعبية التقليدية أقل قدرة على مواجهة واقع ميداني أكثر عنفا وتسليحا لعصابات المستوطنين.

ويقول القيادي الفلسطيني، إن المواجهة في السابق كانت تعتمد على الاحتجاجات الشعبية والاشتباك بالأيدي مع جنود الاحتلال والمستوطنين، لكن الوضع تغير اليوم بعد أن أصبح المستوطنون يواجهون الفلسطينيين بالنيران المباشرة أمام أعين جيش الاحتلال.

ويضيف أن لجان المقاومة الشعبية التي كانت تنشط في القرى والبلدات الفلسطينية تراجع حضورها خلال السنوات الأخيرة، نتيجة الضغوط الأمنية التي يمارسها الاحتلال من جهة، وغياب التكتيكات الفلسطينية المناسبة للتعامل مع المرحلة الجديدة من جهة أخرى.

طالع المزيد: مستوطنون يهاجمون مزارعين فلسطينيين ويعتدون على ممتلكاتهم بالضفة

كما يشير إلى أن المواطنين المتضررين من اعتداءات المستوطنين يواجهون ظروفا صعبة في ظل غياب الدعم الكافي، سواء من المؤسسات الرسمية أو من المنظمات الأهلية، مقارنة بما كان متوفراً في السابق من أشكال المساندة والدعم المباشر لتعزيز صمودهم.

Screenshot 2026-03-12 161646.pngمستوطن مسلح يلاحق الفلسطينيين في منازلهم وأراضيهم الزراعية بحماية من جيش الاحتلال وحكومته المتطرفة..
 

 ويرى منصور أن أحد أشكال المواجهة الممكنة يتمثل في تعزيز صمود المواطنين في القرى المهددة بالاعتداءات، عبر توفير الدعم لهم ومساعدتهم على البقاء في أراضيهم وعدم تركها تحت ضغط العنف الاستيطاني وسياسات حكومة الاحتلال.

كما يؤكد أهمية توثيق الانتهاكات التي يرتكبها المستوطنون ونقلها إلى المجتمع الدولي، معتبرا أن الضغط الدولي يمكن أن يشكل عاملا مؤثرا إذا تحول من مجرد بيانات إدانة إلى خطوات عملية ضد حكومة الاحتلال، تصل إلى فرض عقوبات على حكومة نتنياهو.

ويشير في هذا السياق إلى ضرورة تحرك الدبلوماسية الفلسطينية بشكل أكثر فاعلية عبر السفارات المنتشرة في العالم، من أجل حشد موقف دولي يفرض عقوبات على إسرائيل ومسؤوليها، بدلا من الاكتفاء بمواقف سياسية عامة، لم تردع الاحتلال عن ارتكاب المزيد من الجرائم ضد الفلسطينيين.

ورغم صعوبة المرحلة، يؤكد منصور أن محاولات اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم لن تنجح، مشددا على أن المواطنين ما زالوا متمسكين بالبقاء والدفاع عن وجودهم، حتى في ظل الظروف القاسية التي تعيشها الضفة الغربية اليوم.

المصدر / فلسطين أون لاين