رغم قرار المحكمة العليا للاحتلال إلغاء منع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارة الأسرى، لا تزال الشكوك قائمة بشأن جدية الاحتلال في تمكين اللجنة من أداء دورها الإنساني والرقابي بحرية.
ويؤكد مختصون لصحيفة "فلسطين" أن القرار لن تكون له قيمة فعلية ما لم يترجم إلى وصول حقيقي للأسرى والاطلاع على أوضاعهم داخل السجون ومراكز الاحتجاز.
وأقرت محكمة الاحتلال العليا، الأربعاء الماضى، عدم قانونية السياسة الحكومية التي منعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارة الأسرى الفلسطينيين منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وأمرت بإلغاء هذه السياسة والسماح باستئناف الزيارات وفق ما أوردته وسائل إعلام عبرية.
زيارة شكلية
بدوره، شكك مدير فريق نبراس الوفاء لشؤون الأسرى والمحررين مصعب مدوخ، في جدوى القرار، معتبراً أن المؤسسات القضائية الاحتلالية ظلت تاريخياً جزءاً من المنظومة التي شرعت سياسات الاحتلال بحق الأسرى الفلسطينيين، ولم تمثل في أي مرحلة ضمانة حقيقية لحماية حقوقهم الأساسية.
وأوضح مدوخ، لصحيفة "فلسطين" أن السماح بزيارات محدودة أو شكلية لا يرقى إلى مستوى الرقابة المطلوبة، إذا لم تتضمن لقاءات مباشرة مع الأسرى والاطلاع على أوضاعهم الصحية والمعيشية والاستماع إلى شهاداتهم بشأن الانتهاكات التي تعرضوا لها خلال الأشهر الماضية.
وأضاف: أي زيارة لا تتيح للمؤسسات الدولية توثيق أوضاع الأسرى بشكل مستقل، والضغط لوقف الإجراءات العقابية بحقهم، ستبقى خطوة منقوصة تفتقر إلى قيمتها الإنسانية والرقابية، ولن تسهم في معالجة جوهر الأزمة القائمة داخل السجون.
وأشار إلى أن القرار جاء بعد فترة طويلة حُرم خلالها الصليب الأحمر من أداء دوره، في وقت تحدثت فيه مؤسسات حقوقية وأسرى محررون عن تصاعد إجراءات العزل الانفرادي والتجويع والإهمال الطبي والتضييق اليومي داخل معتقلات الاحتلال.
وأكد مدوخ، أن الأسرى أنفسهم يمثلون المصدر الأهم لفهم حقيقة ما يجري داخل السجون، وأن تجاوز شهاداتهم أو منع التواصل المباشر معهم يحول أي زيارة دولية إلى إجراء بروتوكولي يفتقر إلى القدرة على كشف الانتهاكات أو معالجتها.
وشدد على أن المعيار الحقيقي لنجاح القرار لا يتمثل في مجرد دخول ممثلي الصليب الأحمر إلى السجون، بل في قدرتهم على الوصول إلى المعتقلين بحرية وتوثيق أوضاعهم ومتابعة التوصيات الناتجة عن تلك الزيارات بشكل عملي وملموس.
سياسات مستمرة
من جانبه، قال مسؤول الإعلام في وزارة الأسرى بغزة، إسلام عبده: إن القرار يجب النظر إليه في إطار المنظومة الإسرائيلية العامة التي تعاملت مع الأسرى الفلسطينيين خلال الفترة الماضية، والتي اعتمدت إجراءات عقابية وانتقامية متصاعدة.
وأضاف عبده لصحيفة "فلسطين" أن مختلف مؤسسات الاحتلال، سواء الأمنية أو العسكرية أو القضائية، عملت ضمن سياسة واحدة تجاه الأسرى، الأمر الذي يجعل من الصعب التعامل مع القرار باعتباره تحولاً جوهرياً في الموقف الإسرائيلي أو تغييراً حقيقياً في السياسات المتبعة.
وأوضح عبده، أن القرار لم يصدر، استجابة لمعاناة الأسرى أو حرصاً على أوضاعهم الإنسانية، بل جاء نتيجة ضغوط دولية متواصلة مارستها مؤسسات حقوقية وإنسانية طالبت بالسماح للجهات الدولية بالوصول إلى المعتقلين الفلسطينيين.
وأشار إلى أن محكمة الاحتلال كانت جزءاً من البيئة القانونية التي سمحت باستمرار العديد من الإجراءات بحق الأسرى خلال الأشهر الماضية، ولذلك فإن تقييم القرار يجب أن يستند إلى نتائجه العملية وليس إلى مضمونه القانوني فقط.
وأكد أن المطلوب حالياً هو ضمان تنفيذ القرار بصورة كاملة، وتمكين المؤسسات الدولية من ممارسة دورها دون قيود، إضافة إلى متابعة أوضاع الأسرى الصحية والإنسانية، والعمل على وقف الإجراءات التي تمس حقوقهم الأساسية داخل أماكن الاحتجاز في مقدمة لإطلاق سراحهم.
وكانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أعلنت استعدادها لاستئناف زياراتها للأسرى في سجون الاحتلال في أقرب وقت ممكن، مؤكدة "مواصلة التنسيق مع السلطات المختصة لتنفيذ الزيارات المرتقبة".
وتشير بيانات مؤسسات الأسرى إلى ارتفاع عدد المعتقلين في سجون الاحتلال بنسبة كبيرة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث تجاوز عددهم 9600 أسير مقارنة بنحو 5250 معتقلاً قبل اندلاع الحرب على قطاع غزة.
وتوضح المعطيات أن بين المعتقلين 86 أسيرة ونحو 350 طفلاً، فيما ارتفع عدد المعتقلين الإداريين المحتجزين دون تهمة أو محاكمة إلى 3532 معتقلاً، بينهم نساء وأطفال، في واحدة من أعلى النسب المسجلة خلال السنوات الأخيرة.
كما تفيد إحصاءات مؤسسات الأسرى بأن أكثر من مائة أسير استشهدوا منذ بدء الحرب، أُعلنت هويات 89 منهم، بينما لا يزال عدد من معتقلي قطاع غزة، رهن الإخفاء القسري، وسط مطالبات متواصلة بكشف مصيرهم والسماح للجهات الدولية بزيارتهم والاطلاع على أوضاعهم.

