وسط امتداد خيام النزوح في مواصي رفح جنوب قطاع غزة، حيث الرمال الباردة والرياح المحمّلة بملح البحر، يشقّ الشاب أحمد أبو شلوف طريقه كل صباح بخطوات متثاقلة لكنها ثابتة.
بقدمٍ واحدة وطرفٍ صناعي أنهكته السنوات، يبدأ يومه بحثًا عن عمل يعيل به أسرته النازحة التي تعيش في خيمة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
قبل سنوات من اندلاع الحرب، فقد أحمد قدمه في حادثٍ غيّر مسار حياته، لكن الإصابة لم تُنهِ رغبته في العمل والاعتماد على نفسه، فقد لجأ إلى صناعة الشاي والقهوة وبيعها للمواطنين.
ومع اندلاع الحرب وما تبعها من نزوحٍ واسع للسكان إلى مواصي رفح، وجد أحمد نفسه أمام تحدٍ مضاعف: إعاقة جسدية من جهة، وفقدان الاستقرار والعمل من جهة أخرى.

رغم ذلك، لم يسمح الشاب العشريني للإعاقة بأن تقيده داخل خيمة النزوح، إذ يحمل أدوات بسيطة ويخرج يوميًا ليلتحق بصفوف شبان يعملون في أعمال تجميلية داخل مخيمات النزوح؛ جمع النفايات الصلبة وترحيلها، تُعيد شيئًا من الجمال إلى منطقة المواصي التي أثقلتها الحرب.
يصل أحمد إلى مكان عمله على عربة مجرورة تُستخدم لنقل النفايات، وهناك يبدأ يومًا طويلًا من العمل الشاق.
يقف لساعات متواصلة على قدمه الوحيدة، فيما يحتك الطرف الصناعي بالرمال ويضغط على ما تبقى من ساقه، مسببًا آلامًا متكررة، ومع كل حركة، يشعر بوخزٍ حاد، لكنه يواصل العمل بصمت.
يقول أحمد لصحيفة "فلسطين" إن أكثر ما يرهقه ليس التعب الجسدي فقط، بل شعوره بالعجز عن صيانة الطرف الصناعي الذي يعتمد عليه في الحركة، فالجهاز الذي يستخدمه أصبح متهالكًا، ومع كل يوم يمرّ تزداد صعوبة استخدامه، بينما تبدو إمكانية إصلاحه أو استبداله شبه مستحيلة في ظل انهيار القطاع الصحي وشحّ الإمكانات داخل قطاع غزة.
يبدأ يوم أحمد منذ خروجه من خيمة العائلة في ساعات الصباح الأولى. يودّع والدته قبل أن يسير مسافة طويلة بين الخيام والرمال.

الطريق القصير قد يبدو بسيطًا للآخرين، لكنه بالنسبة له رحلة يومية من التوازن والحذر، حيث يتطلب السير بقدمٍ واحدة وطرف صناعي جهدًا مضاعفًا.
ومع مرور ساعات النهار، تتزايد علامات الإرهاق على وجهه، لكنه يحاول إخفاءها بابتسامة خفيفة وهو يلقي التحية على النازحين.
يقول إن عمله لا يقتصر على كسب المال فحسب، بل يمنحه أيضًا شعورًا بالكرامة والاستقلال، ويبعد عنه فكرة الاعتماد الكامل على المساعدات.

ورغم بساطة ما يجنيه من عمله اليومي، فإن تلك القروش القليلة تعني الكثير لعائلته، فهي تساعد على شراء الخبز أو بعض الاحتياجات الأساسية في بيئة يعيش فيها معظم النازحين تحت خط الفقر، ومع غياب فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة.
قصة أحمد لا تمثل حالة فردية في غزة، فالحرب خلّفت أعدادًا كبيرة من المصابين وذوي الإعاقات، كثير منهم من الشباب الذين فقدوا أطرافًا من أجسادهم لكنهم ما زالوا يحاولون التشبث بالحياة والعمل بكرامة.
في مواصي رفح، حيث تختلط أصوات الرياح بأصوات البحر، يتحرك أحمد يوميًا بطرفه الصناعي المتهالك، حاملاً معه قصة صمود تتجاوز حدود الألم، فبقدمٍ واحدة، يواصل صنع الجمال في مكانٍ أثقلته الحرب، ويؤكد أن الإرادة قد تكون أحيانًا أقوى من كل الخسارات.
وفي نهاية كل يوم، يعود إلى خيمته متعبًا لكنه راضٍ، فبالنسبة له، يكفي أنه استطاع أن يعمل، وأن يضع لقمة على مائدة عائلته، وأن يثبت لنفسه ولمن حوله أن الحياة، رغم قسوتها، ما زالت ممكنة.


