حدود غزة.. ساحة لاستنزاف الجيش الإسرائيلي

حدود غزة.. ساحة لاستنزاف الجيش الإسرائيلي

د. عدنان أبو عامر

شهد شهر أغسطس سلسلة هجمات فلسطينية مسلحة ضد أهداف إسرائيلية على حدود قطاع غزة، دون أن تتبناها فصائل المقاومة، على غير العادة.

اللافت في هذه العمليات أن الجيش الإسرائيلي لم يتهم حماس مباشرة بتنفيذها، وكأنه قبل بروايتها بأنها أعمال فردية، في حين أصدرت الحركة بيانات لنعي الشهداء دون وصفهم بأنهم من عناصرها المسلحين.

ليس سراً أن الجيش الإسرائيلي يركز قواته العسكرية على حدود غزّة: الشمالية والشرقية والجنوبية، ويحيطها بتحصينات وتقنيات معقدة في بيئة جغرافية سهلة ومكشوفة، ما يتطلب الكثير من التخطيط والتدريب على كيفية مهاجمة مواقعه وثكناته من خلال خلايا منظمة وموجهة، تعمل وفق منظومة سيطرة وتحكم، وليس محاولات فردية متناثرة هنا وهناك، لا تحقق الهدف المرجو من هجماتها، إن سلمنا بأنها فردية من الأساس.

ومع ذلك فإن تكرار هذه العمليات الفردية يسلط الضوء على أهم الدوافع والعوامل التي يرصدها الفلسطينيون، ومن أهمها ارتفاع مستوى النقمة الفلسطينية على السياسة الإسرائيلية في مختلف الأراضي الفلسطينية، خاصة في قطاع غزة، وحالة التلكؤ الإسرائيلية في عدم رفع الحصار المفروض على غزة، خاصة التفاهمات التي تم التوصل إليها في أكتوبر 2018، بوساطة أممية وإقليمية.

سبب آخر يتعلق في استمرار الاستهداف الإسرائيلي للمتظاهرين السلميين على حدود القطاع خلال مسيرات العودة، فرغم أن قيادة المسيرات اتفقت على إبعاد المتظاهرين عن الشريط الحدودي لعدم الاحتكاك بجنود الاحتلال، لكن هؤلاء وكأنهم يستمرئون إصابة وقتل المتظاهرين، والنتيجة إما استشهادهم على الفور أو إصابتهم بإعاقة دائمة.

عامل ثالث يرتبط بالكوابح التي تحيط بقيادة المقاومة في غزة، وعدم القدرة والرغبة بالذهاب إلى مواجهة عسكرية مفتوحة مع الاحتلال في مرحلة انتخابية حامية الوطيس يعيشها الإسرائيليون، مما يجعل الدم الفلسطيني في غزة وقودا لمعركة انتخابية بينهم، وبضاعة رائجة للفوز بمزيد من أصوات الناخبين، كل ذلك يدفع الأجنحة المسلحة في غزة لإجراء مزيد من الحسابات الدقيقة، ما قد يغضب كوادرها العسكريين.

قوى المقاومة الفلسطينية لم تتبن رسمياً هذه العمليات الفردية، لكنها في الوقت ذاته، لم تتنصل منها، فقد نعت الشهداء الذين سقطوا على حدود القطاع، وحملت الاحتلال المسؤولية الكاملة عن استشهادهم، دون الدخول في تفاصيل العمليات، لكنها أكدت حق الشعب الفلسطيني في المقاومة، والتصدي لكل أشكال العدوان الإسرائيلي.

توقف الإسرائيليون مطولا عند هذه العمليات الفردية على حدود غزة، ولئن اعتادوا على مثل هذه الهجمات الفردية بالطعن والدعس وإطلاق النار في الضفة الغربية، لكنهم استيقظوا على واقع جديد في غزة ينقل هذا النموذج من العمليات إليها، رغم وجود أجنحة عسكرية ورعاية سياسية واحتضان أمني للمقاومة في القطاع.