لم يمضِ الكثير من الوقت على أداء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليمين الدستورية عام 2017، حتى برز مصطلح "صفقة القرن" في دائرة التداول السياسي والإعلامي، دون أن يعلن رسميًّا عن بنودها حتى اللحظة، بيد أن العديد من الخطوات اتخذتها إدارته صنفها مراقبون على أنها جزء من "الصفقة".
ولعل أول "وعد" قطعه ترامب -وهو رجل أعمال أمريكي مشهور بثرائه- خلال حملته الانتخابية مرشحًا عن الحزب الجمهوري، هو نقل السفارة الأمريكية من (تل أبيب) إلى القدس المحتلة.
وكان ترامب أعلن في رسالة لصحيفة "إسرائيل اليوم" العبرية تأييده لمفاوضات تسوية مباشرة بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي دون وسيط دولي، مؤيدًا بذلك موقف رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، عدا عن أنه وعد خلال حملته الانتخابية بإبقاء القدس "عاصمة موحدة لـ(إسرائيل)"، ونفى مستشاره آنذاك ديفيد فريدمان عن المسـتوطنات صفة أنها "غير شرعية"، مشيرًا إلى أن هذا الموقف يشاركه فيه ترامب.
ويبرز على رأس فريق "صفقة القرن" جاريد كوشنر صهر ترامب، إلى جانب المبعوث الأمريكي لعملية التسوية في الشرق الأوسط جيسون غرينبلات، وهو يهودي أرثوذكسي عمل محاميًا في مجال العقارات وكان مقربًا لترامب منذ عقود.
ووصف ترامب الخطة، التي يديرها كوشنر ومستشاره في البيت الأبيض، بأنها "صفقة القرن".
وفي السادس من ديسمبر/ كانون الأول 2017 اعترف ترامب بالقدس المحتلة "عاصمة" مزعومة لـ(إسرائيل)، في خطوة لم تقدم عليها الإدارات الأمريكية السابقة رغم أنها كانت أيضًا منحازة للاحتلال، ولاحقًا قطع مساهمة بلاده المالية في ميزانية غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، وسط مساعٍ لإنهاء عملها نهائيًّا.
كما اعترف ترامب في مارس/ آذار الماضي بما سماها "سيادة" الاحتلال على مرتفعات الجولان السوري المحتل.
وكان موقع "ميدل إيست آي" البريطاني كشف في نوفمبر/ تشرين الثاني 2017 عما قال إنها تفاصيل حصل عليها حصرًا لمضمون الصفقة، منها إقامة دولة فلسطينية تشتمل أراضيها على قطاع غزة والمناطق (أ) و(ب) وبعض أجزاء من منطقة (ج) في الضفة الغربية المحتلة، وهو ما يعاكس حتى مطالبات السلطة بما يسمى "حل الدولتين".
وبحسب الموقع، فإن الصفقة تشمل توفير الدول المانحة 10 مليارات دولار لإقامة الدولة التي ستشتمل بنيتها التحتية على مطار وميناء في غزة، ومساكن ومشاريع زراعية ومناطق صناعية ومدن جديدة.
وبيّن الموقع آنذاك أن الصفقة تنص على تأجيل وضع مدينة القدس وموضوع عودة اللاجئين إلى مفاوضات لاحقة، وأن المفاوضات النهائية ستشمل محادثات تسوية إقليمية.
وتعتزم واشنطن عقد اجتماع رسمي أول للكشف عن المقومات الاقتصادية للخطة في ورشة عمل سمتها "السلام من أجل الازدهار" أواخر الشهر الجاري في البحرين.
ويسود اعتقاد على نطاق واسع بأن كوشنر وترامب يتعاملان مع الصراع وكأنه صفقة تجارية.
وزار كوشنر الشهر الماضي الشرق الأوسط سعيًا لحشد التأييد لورشة العمل المذكورة.
عباس يروّج للصفقة
ويتوقع مراقبون أن تقضي الخطة بضم الاحتلال المستوطنات ووصلها ببعضها البعض وترك مساحة تقل قليلا عن النصف للسلطة "في ظل شكل من أشكال الحكم الذاتي"، وحصول الأخيرة على أحياء على مشارف القدس مثل أبو ديس وبيت حنينا وسلوان.
وكان المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، روبرت ساتلوف، كتب بعد مقابلة مع كوشنر خلال مايو/ أيار الماضي في مؤتمر للمعهد: إن الصفقة كارثة سياسية يجب التخلي عنها، مشيرًا إلى محاولة الالتفاف على حقوق الفلسطينيين.
وإعلاميًّا، يبدي رئيس السلطة محمود عباس معارضة لهذه الصفقة، بيد أنه يعد في مقدمة من روج لها في لقاء جمعه بـ"ترامب" في سبتمبر/ أيلول 2017، عندما شكر الأخير "على إتاحة الفرصة" للقائه، قائلًا: "إن دل هذا على شيء إنما يدل على جدية الرئيس (ترامب) أنه سيأتي بصفقة العصر للشرق الأوسط خلال العام أو الأيام القادمة".
ورغم ادعاء السلطة وقف اتصالاتها مع الإدارة الأمريكية، فإن عباس قال أمام اجتماع وزراء الخارجية العرب بمقر جامعة الدول العربية في القاهرة في إبريل/ نيسان الماضي: هناك اتصالات أخرى استمرت ومستمرة إلى الآن، وهي التعاون الدولي بيننا وبينهم (الإدارة الأمريكية).
وفسّر عباس بقوله: "تعلمون أيها الإخوة أنه بيننا وبين 83 دولة عربية وأجنبية برتوكولات تتعلق بالتعاون الأمني لمحاربة (ما أسماه) الإرهاب... ولذلك نتعاون مع أمريكا، والتعاون معها قائم إلى الآن".
ويشار إلى أن عباس نسق مفاوضات ما يسمى "مؤتمر مدريد للسلام" في 1991، وكان رئيس الوفد المفاوض الذي أشرف على توقيع اتفاق "أوسلو"، فضلًا عن أنه أعد صفقة "عباس- بيلين" التي توصف بأنها نسخة مماثلة لـ"صفقة القرن".
"ترامب يحب الشعارات"
من جهته يقول مستشار الشؤون السياسية لمركز "مريديان" في واشنطن، خالد صفوري: إن الصفقة جاءت من حديث ترامب خلال حملته الانتخابية، عندما ادعى أنه الوحيد الذي يستطيع حل مشاكل العالم بما فيها مشاكل الشرق الأوسط.
ويصف صفوري في حديث مع صحيفة "فلسطين"، ترامب بأنه رجل يحب الشعارات واستعمال العناوين البراقة، مبينًا أنه صاحب هذه الفكرة رغم أنه ليس ملمًّا بجوانبها، وبحسب ما يقال معظم هذه الأفكار تعود لنتنياهو ومساعديه، وأعطاها الطرف الإسرائيلي لكوشنر وغرينبلات لصياغتها.
ويوضح أن الحديث يدور عن "صفقة إسرائيلية تم إملاؤها على الأمريكيين".
ويتابع: وفق ما سربته الصحافة الأمريكية فإن الصفقة هي على الأغلب ما يريده حزب الليكود و"اليمين" في (إسرائيل)، وهو التخلص من الفلسطينيين والاحتفاظ بالأرض.
ويتمم مستشار "مريديان" حديثه: هذا لا يتم إلا عن طريق معادلة الاستيلاء على أراضي الضفة الغربية أو جزء كبير منها.

