فلسطين أون لاين

​نظرات في حصار قريش للنبي


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه ومن تبع هداهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

فقد وردت تفاصيل مقاطعة قريش للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من بني هاشم وبني المطلب في معظم كتب السيرة القديمة والحديثة وفي معظم شروح الحديث المشهورة كشرح ابن بطال وفتح الباري، وعمدة القاري على صحيح البخاري، وشرح النووي على صحيح مسلم، وغيرها.

وقد أكد على ذلك الشيخ عبدالرحمن بن أحمد شادي بقوله: ذكرت كتب السيرة الكبيرة والصغيرة القديمة والحديثة أن المسلمين تعرضوا في فجر الإسلام إلى كثير من الاضطهاد وكان منه المقاطعات الاقتصادية ثلاث سنوات كنوع من العقاب والضغط حتى يرتدوا عن الإسلام ولكن الله ثبتهم، وعزَّ على نفر من الكفار أصحاب الضمائر الحساسة والنفوس الطيبة ما يلاقيه المسلمون من الهوان والبؤس والظلم في هذه السنوات العجاف حتى أكلوا ورق الشجر فقاموا بنقضها.

وسأذكر تفاصيل هذه المقاطعة من حيث توقيتها ومدتها وهدفها، وموقف أبي طالب من ذلك، والصحيفة ومن كتبها وبنودها، وما كان يلاقيه الصحابة من شدة الجوع والمعاناة بسبب هذه المقاطعة، وحرص أبي طالب على حماية ابن أخيه، وكيفية الخروج من هذا الحصار الظالم.

بدأت المقاطعة للنبي صلى الله عليه وسلم في المحرم سنة سبع من البعثة، وذلك بعد أن فشلت محاولة قريش لإرجاع المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة، وبعد إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفشو الإسلام ، واستمرت ثلاث سنوات ، وكان الهدف من هذه المقاطعة هو تسليم رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتله، ورفض أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم تسليمه، وانحاز بنو هاشم وبنو المطلب كلهم كافرهم ومؤمنهم فصاروا في شعب أبي طالب محصورين ما عدا أبي لهب فإنه كان مع قريش على قومهم، وكتبت قريش صحيفة بخصوص هذه المقاطعة والحصار وعلقتها في جوف الكعبة، وقيل: كانت عند أم الجُلاس بنت مُخَرِّبه الحنظلية خالة أبي جهل، وكان الذي كتبها منصور بن عكرمة، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَشُلَّ بعض أصابعه وقيل: النضر بن الحارث، وقيل: طلحة بن أبي طلحة العبدري، وقيل: غير ذلك. والراجح أنه منصور بن عكرمة، حيث قال ابن كثير: والمشهور أنه منصور بن عكرمة كما ذكره ابن إسحاق وهو الذي شُلَّت يده فما كان ينتفع بها، وكانت قريش تقول بينها: انظروا إلى منصور بن عكرمة .

وذهب علي برهان الحلبي إلى احتمال وجود أكثر من نسخة وكل واحد من الذين ذكروا كتب نسخة ورجح أن الذي شلت يده هو كاتب الصحيفة التي علقت في الكعبة حيث قال: " ويجمع بين هذه الأقوال باحتمال أن يكون كتب بها نُسَخ: أي فكلٌ كتب نسخة وينبغي أن يكون الذي شلت يده هو كاتب الصحيفة التي علقت في الكعبة ولعلها هي التي كتبت أولاً"، وكانت المقاطعة للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من بني هاشم وبني المطلب شاملة لجميع النواحي الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية حيث كان من بنودها: ألا يناكحوهم، ولا يبايعوهم ، ولا يؤووهم، ولا يخالطوهم، ولا يدخلوا بيوتهم ، ولا يكلموهم ، وألا يكون بينهم وبينهم شيء ، وقطعوا عليهم الأسواق فلا يتركون طعاماً يدنو من مكة ولا بيعاً إلا بادروا إليه ليقتلهم الجوع ، ولا يدخلون إليهم شيئا من الرفق وقطعوا عنهم الأسواق ولم يتركوا طعاماً ولا إداماً ولا بيعاً إلا بادروا إليه واشتروه دونهم ولا يناكحوهم ولا يقبلوا منهم صلحاً ، وتضوروا جوعاً وعطشاً وعُرياً ولحقتهم مشقة عظيمة ، وقد سمع أصوات صبيانهم بالبكاء من وراء الشعب.

للموضوع تتمة . والحمد لله رب العالمين