فلسطين أون لاين

تقرير تحت خيام لا تصدّ الصَّقيع... أطفال غزَّة يرتجفون بلا مدافئ

...
تحت خيام لا تصدّ الصَّقيع... أطفال غزَّة يرتجفون بلا مدافئ
غزة/ أدهم الشريف:

مع انحدار الشمس نحو المغيب تبدأ معاناة أخرى في مخيمات النزوح المنتشرة في أنحاء قطاع غزة، فالليل هنا لا يحمل فقط ظلامه الثقيل، بل يجلب معه موجة بردٍ قاسية وصقيعًا يتسلل عبر أقمشة الخيام الرقيقة، فيحولها إلى ما يُشبه علبًا باردة لا تقوى على حماية قاطنيها.

تحت سقف إحدى هذه الخيام الباردة، يعيش محمد مسعود (35 عامًا)، مع زوجته وأطفالهما السبعة، داخل ساحة ملعب اليرموك، التي تحولت إلى مركز لإيواء نازحي حرب الإبادة.

طالع المزيد: بين المطر والنُّزوح … خيام غزَّة مهدَّدةً بالغرق مع كلّ منخفض جوِّيّ

تجلس الأم صابرين (30 عامًا) على أرض مفروشة ببطانية مهترئة، تضم أصغر أبنائها، التوأمين أركان وكيان البالغين عامين، إلى حضنها في محاولة يائسة لبثّ بعض الدفء في جسديهما الصغيرين.

بصوتٍ خافت، قالت لصحيفة "فلسطين": "مع غروب الشمس يبدأ القلق، نعرف أن ليلة جديدة من الارتجاف تنتظرنا".

في الخيمة نفسها، يلتف باقي الأشقاء حول بعضهم البعض تحت غطاءٍ خفيف لا يكاد يقيهم قسوة الهواء البارد.

photo_2026-03-05_16-07-03.jpg
 

ومنذ أن دمر جيش الاحتلال منزل العائلة في مخيم جباليا، شمالي القطاع، في الأسابيع الأولى للحرب التي اندلعت في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، يعيش الزوجان وأطفالهما مرارة النزوح وقسوته في الخيام البالية.

تعترف صابرين البالغة (30 عامًا) أن حياتهم كانت أجمل ما قبل الحرب المدمرة، وكان لديهم المقومات المعيشة اللازمة لحياة آدمية، من وسائل تدفئة تلزم العائلة في فصل الشتاء، وأغطية كافية تحمي أطفالها من لساعات البرد والصقيع.

وجراء الحرب المُدمرة، لم تعدّ هذه العائلة تملك أي وسيلة للتدفئة، في حين أن أسعار الحطب باتت تفوق قدرتهم على الشراء، لاسيما أن زوجها فقد عمله كسائق درَّاجة ثلاثية العجلات من نوع "توتوك" بعد أن دمرها قصف إسرائيلي.

في زاوية أخرى من مركز النزوح تعيش عائلة أخرى حكاية مشابهة. غدير زياد نزحت وأطفالها إلى وسط مدينة غزة، وتواجه ظروفًا لا تقل وطأة عن مأساوية أي عائلة أخرى تعيش تحت ظل الخيام الهشَّة.

photo_2026-03-05_16-07-04 (2).jpg
 

غدير البالغة (30 عامًا)، دمر جيش الاحتلال منزلها في بلدة بيت لاهيا، شمالي قطاع غزة، ليس ذلك فحسب، بل قتل أيضًا زوجها في غارة شنتها طائرة حربية من دون طيا، استهدفت مجموعة مواطنين في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024.

ومنذ ذلك الحين، وجدت غدير نفسها وحيدة في مواجهة قسوة الحياة، مع أطفالها الأربعة أكبرهم جنى (12 عامًا) وأصغرهم تولين (5 أعوام).

على أطراف ملعب اليرموك، ثبتت الأم خيمة صغيرة فوق أرضٍ طينية تتجمع فيها مياه الأمطار، ما يزيد من برودة المكان ورطوبته.

قالت لـ"فلسطين": "النهار أهون، نستطيع التحرك قليلاً تحت الشمس، لكن الليل قاسٍ جدًا، خصوصًا على الأطفال".

تشعل الأم عيدان الأخشاب وقطع الكرتون والقماش القديم في موقدٍ بدائي مغروس في التراب بجوار خيمتها، ساعية لإيجاد مصدر دفء لأطفالها، لكنها سرعان ما تطفئها مع تصاعد الدخان واقتحامه للخيمة حتى يكاد يخنق من يتواجدون فيها، أو خشية احتراقها نتيجة الشرارة المتصاعدة من ألسنة النيران.

صغيرتها تُولين تعاني من سعالٍ متواصل منذ أيام، تلفّها والدتها بعدة طبقات من ملابس أكبر من حجمها، كانت العائلة قد تلقتها من تبرعات خيرية.

تقول الأم: "أخاف أن يشتد مرضها، لكن مش عارفة شو أعمل، لا بطانيات كافية ولا مدافئ ولا حتى أرضية تعزلنا عن البرد".

مع اشتداد موجة الصقيع التي يتأثر بها قطاع غزة منذ أسابيع، وتشتد في ساعات الليل، تتضاعف مخاوف أصحاب المنازل المدمرة المقيمين في الخيام، فالرياح تعصف طوال الليل وتُصدر أقمشة الخيام أصواتًا حادة توحي وكأنها ستتمزق في أية لحظة.

في حين أن عائلات أخرى تضطر للسهر حتى ساعات الفجر، خشية انهيار الخيمة أو تسرب مياه الأمطار إلى الداخل في حال أنزلت السماء مياهها.

طالع المزيد: خيام التَّعليم في غزَّة … مبادرات تطوُّعيَّةً تسدُّ فراغ المدارس وتحذِّر من مخاطر التَّجهيل

يؤكد نازحون أن المساعدات الإنسانية، رغم أهميتها، إلا أنها لا تكفي لسد الاحتياجات المتزايدة في ظل الظروف الجوية القاسية التي يواجهها النازحون، فعدد البطانيات محدود، والفرشات إسفنجية رقيقة لا تمنع تسرب برودة الأرض.

ومع استمرار انقطاع التيار الكهربائي للعام الثالث على التوالي، تغيب وسائل التدفئة البسيطة التي كانت تخفف من وطأة الشتاء سابقًا.

أما تطلعات النازحين لم تعد تقتصر على الخيام وتوفير مستلزمات الإيواء ووسائل التدفئة فقط، بل إنهم يطمحون لتوفير بيوت متنقلة تحميهم من قسوة الطقس، شتاءً وصيفًا، والبدء بإعمار ما دمره الاحتلال خلال حربه.

بين خيام النزوح، يترامى إلى الأسماع ليلاً بكاء متقطع لأطفال بعمر الزهور، يمتزج بصوت الرياح وصفيرها، فبعضهم يرتجف من البرد، وآخرون يفزعون من شدة الصقيع. في حين تحاول الأمهات احتضان صغارهن، فيما يجلس الآباء عاجزين عن توفير أبسط مقومات الدفء لأسرهم.

وسط قسوة هذه الأجواء، يقيم شهاب السويركي مع زوجته وأطفالهما الأربعة الناجين من قصف إسرائيلي تحت خيمة مهترئة على رصيف ميناء الصيادين، غرب مدينة غزة، بعد أن ضاقت بهم سبل الإيواء ولم يجدوا مأوى آخر.

كان لهذه العائلة منزلاً في حي الشجاعية، شرق المدينة، لكن جيش الاحتلال دمره بالكامل وتركه مثل مئات آلاف العوائل بغزة في العراء، بلا مأوى.

قال شهاب (38 عامًا) وهو ينظر إلى السماء الملبدة بالغيوم: "كنا نخشى القصف، واليوم نخشى البرد أيضًا، فالخيمة لا تحمينا من شيء".

 

المصدر / فلسطين أون لاين