فلسطين أون لاين

#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة

﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ المدثر: 31

في زمن المحرقة والدم، حيث تُكوى غزة بنار الإبادة وتُسحق تحت الركام، ينبثق من بين الأنقاض نورٌ لا يُطفأ. من قلب المأساة تتشكل جبهة رباط ومقاومة تمتد من الشام إلى اليمن، ومن العراق وإيران إلى الضفة والقدس، ومن قلوب الجياع في المخيمات إلى صرخات الأحرار في ميادين العالم. جبهة لا تعرف إلا الله قائدًا، والقدس قبلة، والحق سلاحًا؛ فتتزلزل عروش الطغيان من صبر المنهكين، وتُربك (إسرائيل) من ثبات العُزّل في ممرات الموت، ويسكن أهل غزة سكينة ربانية كأنها بردٌ وسلامٌ يتنزل من السماء على قلوبهم المثخنة بالجراح.

لقد كشف طوفان الأقصى ومحرقة غزة منذ يومهما الأول عن اصطفافٍ لا يخفى. فريقٌ يرقب النهاية بصمتٍ ثقيل، وفريقٌ يستعجل إغلاق الملف بلسانٍ ملتوٍ ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾، وفريقٌ تحركه نخوة مكبّلة بالسقف الأمريكي، وفريقٌ تحرر من تلك القيود ليشكل جبهة إسنادٍ حقيقية تشاغل الاحتلال وحليفه الأمريكي في أكثر من ساحة، وتدفع ثمن موقفها من دمائها ومصالحها ومستقبلها.

في اليمن تُفتح جبهة البحر الأحمر، وفي العراق ذاكرةٌ ما زالت تحتفظ بمرارة الاحتلال الذي أُجبر يومًا على الرحيل، وفي إيران غطاءٌ استراتيجي لهذا الإسناد وجبهة مشتعلة، وفي لبنان رباطٌ يومي على تخوم النار، بينما تبقى في ترقب الضفة والقدس قلب المعركة التي انطلقت من أجلها شرارة الطوفان.

ولم يكتفِ الاحتلال الصهيوني وحليفه الأمريكي بإبادة غزة وتشريد أهلها، بل وسّعا دائرة النار لتطال إيران في عدوانٍ مباشرٍ يترجم مشروع الهيمنة إلى مواجهة مفتوحة. ضربات جوية وصاروخية استهدفت مواقع حكومية وعسكرية ومنشآت حيوية، في رسالةٍ تقول إن المعركة لم تعد محصورة في فلسطين، بل صارت مواجهة مع كل من يرفض الخضوع لمنطق القوة.

لكن إيران، التي خبرت الحصار والعقوبات والمؤامرات لعقود، لم تقف مكتوفة الأيدي. صواريخها ومسيّراتها عبرت السماء لتصيب قواعد أمريكية ومصالح استراتيجية في الخليج، مؤكدة أن جبهة المقاومة الممتدة من غزة إلى الشام واليمن والعراق وإيران دخلت طورًا جديدًا من الاشتباك، حيث تتحول الجغرافيا إلى ساحة واحدة، ويتردد صدى الآية في الأفق: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾.

هذه الساحات المشتعلة تُجسّد معنى ما أخبر به رسول الله ﷺ حين قال:

«تكونون جنودًا مجندة: جند بالشام، وجند باليمن، وجند بالعراق».

فالشام حيث عمود الكتاب، وأرض الرباط، وبيت المقدس حيث الطائفة المنصورة، وأكناف بيت المقدس حيث وعد الله بالنصر.

ومع ذلك، يقف عالمٌ كامل متثاقل الضمير. عالمٌ لم تهزه دموع أطفال غزة الجياع، ولم توقظه صور العطش في خيام النزوح، ولم يحرّك ضميره أنين الشيوخ تحت الحصار. عالمٌ يتحدث عن القانون الدولي بينما تُعطَّل العدالة في محكمة العدل الدولية، وتُحجب الحقيقة خلف ضجيج السياسة.

ومع ذلك أيضًا، فإن ضمير العالم لم يمت تمامًا. فقد بدأت ملامح رأي عام عالمي تتشكل، ترفض الإبادة الجماعية، وتخرج في مسيرات واعتصامات من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق. وكانت المفاجأة الكبرى من طلاب الجامعات والأحرار في العالم الذين أشعلوا موجة احتجاجات واسعة، متحدين حملات التخويف والتهديد.

أما في غزة، ورغم القصف السجادي والأحزمة النارية والمداهمات المتواصلة، فيسكن قلوب أهلها شعورٌ عجيب من الطمأنينة واليقين؛ ذلك اليقين الذي أنزل السكينة على المؤمنين في أشد اللحظات ظلمة.

يا أحرار العالم، إن غزة ليست مجرد مدينة محاصرة، بل مرآة الإنسانية، وامتحان الضمير، وميزان الحق في هذا العصر. ومن بين الركام يخرج صوتٌ يقول: لن نُهزم لأننا على وعد الله.

فكونوا أنتم جنود الكلمة، وجنود الموقف، وجنود الحرية؛ فإن جنود الله لا يعلمهم إلا هو، وهم في كل أرضٍ وسماء يكتبون بدمائهم وصرخاتهم ملحمةً لن تنطفئ.

﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.

المصدر / فلسطين أون لاين