"يا عم.. تعال على المشفى ابنك محمد مصاب برأسه"؛ رجفت يدا إبراهيم أيوب وتسلل الخوف إلى قلبه، وصمت يحدث نفسه: "هل مصاب أم شهيد؟"، ثم انفجر بركان قلبه بحثاً عن إجابة تمنحه الطمأنينة على نجله (محمد)، ليسأل المتصل "كيف حالته؟ أمانة مستشهد؟ ألوووو؟"، لكن الاتصال انقطع.
ارتدى إبراهيم أيوب ثيابه ومن فوره اتجه نحو المشفى الإندونيسي الذي حدده المتصل، فهو في حيرة من أمره، يريد إسكات التساؤلات المفاجئة التي لا تتردد في السيطرة على خاطره وتفكيره وأحاسيسه ومشاعره ويخشى من أسوأ الاحتمالات المفاجئة.
بداية القصة، الجمعة، العشرون من أبريل/ نيسان 2018، يوم ليس كأي يوم مرّ على عائلة "أيوب" التي تسكن بمخيم جباليا شمال قطاع غزة، استيقظ الطفل محمد (13 عامًا) من نومه؛ يحدث والدته رائدة أيوب: "يبدو راح تصير حرب"؛ تفاجأت والدته مبتسمة وأجابته باستغراب: "حرب!".
محمد يقترح على والدته بجدية: "ما رأيك نرتب البيت حتى نستقبل الضيوف إذا صار في إخلاء؟"، الأم تجيب نجلها بعد أن أعجبتها فكرته: "يلا قوم نعزل البيت ونتشجع مع بعض".
أحسن أمنية!
أمضت الأم وقتاً مميزاً مع طفلها الصغير الذي يحب اللعب والمرح، شاركها في تنظيف أرضية البيت والنوافذ وإعداد الطعام وتجهيز العصير لضيوف زاروا العائلة. كان جزء من الحديث المتبادل حول مستوى محمد الدراسي فهو في الصف السابع الإعدادي.
قاطع محمد حديث الجميع ليوجه نظره نحو والدته وقال لها بنبرة هادئة: بوعدك أتنشط بالدراسة ابتداءً من يوم غد، وأنال التوجيهي وأدخل الجامعة وتشوفي كيف "أبو الجود" (كما يلقب نفسه).
ابتسمت الأم بهدوء ثم قالت سعيدة: "هذه أحسن أمنية لي.. أن تنجح في التوجيهي".
لم يستطِع والده الصمت أو اللامبالاة، فقال محفزًا نجله: "هيك أنت جدع وأنا راح أدعمك في اجتهادك ودراستك".
وبعد أداء صلاة الجمعة وتناول طعام الغداء، استأذن الضيف الجميع للانصراف والذهاب للمشاركة في "مسيرة العودة"، وما إن هم بالذهاب حتى أتاه نداء الطفل محمد: "بدي أروح معك"، لكن أمّه رفضت معللة السبب: "أنت صغير؛ ما رأيك أن تأتي معي إلى بيت سيدك؟"، وافق محمد للذهاب لبيت جده الواقع في بلدة "بيت لاهيا".
طوال الطريق إلى منزل الجد، كان محمد ينظر إلى الحافلات التي تقل الناس إلى مخيم العودة شرقاً. بدا عليه الحزن وهو يعيد الإلحاح على والدته "شايفة يما؛ هي الباصات بتنقل الناس خليني أروح"؛ نظرت إليه بخوف ولم تجبه. صمت محمد برهة من الوقت قبل أن يعيد تكرار طلبه: "خليني أروح".. لم ترد الأم بصوتها لكنها أظهرت له انزعاجها من عدم طاعته لها، فلاطفها متسامحًا: "أنا متأسف؛ بديش أروح".
وصلت الأم لبيت والدها، سأل "محمد" عن أبناء أخواله وعرف أنهم ذهبوا للمشاركة في "مسيرة العودة"، فعاد يكرر ذات الطلب من والدته: "بدي أروح"؛ لم تستطِع الصمت: "تخلينيش أزعل؟"، فطلب منها أن تسمح له باللعب خارج بيت جده، فسمحت له ما شكل له فرصةً للذهاب مشياً على الأقدام باتجاه الشرق نحو المسيرة السلمية.
محمد كان قد وصل بعد أن قطع مسافة مشياً إلى منطقة التخييم شرق منطقة "أبو صفية" شمال القطاع، وعثر على أبناء عمه وأبناء أخواله هناك، بدت عليه علامات السعادة وهو يشاهد الناس تتوافد.
الخامسة عصراً، محمد الطفل سعيد بالمشاركة ولا يعلم ما يخبئ القدر له، ألقى جنود الاحتلال قنبلة غاز وسط جموع من الأطفال، ركض محمد محاولاً الهرب من الاختناق بالغاز، لكن رصاصة أطلقها قناص إسرائيلي اخترقت رأسه. سقط الطفل ذو الثلاثة عشر عاماً على الأرض مضرّجاً بدمائه التي اختلطت بتراب الأرض، وصعدت روحه الطاهرة إلى السماء على الفور.
ابن عمّ الشهيد الطفل الذي كان في المكان، سمع صوت تلك الرصاص فاتجه لإسعاف المصاب فوجده "محمدًا"، لينزل عليه المشهد كالصاعقة قبل أن يباشر نقله إلى الإسعافات وحمله بين ذراعيه.
استقبال الفاجعة
في هذه الأثناء كانت والدة محمد تجلس سعيدة بالحديث مع شقيقاتها والاطمئنان على أحوالهنّ، جاءها اتصال من أحد أقاربها فاستأذنت الجميع للرد على المكالمة.
المتصل محدثًا الأم: "ابنك شهيد".. كانت كصاعقة أصابت قلبها وزلزلت كل مشاعرها، لم تكن تشعر أن هناك لحظة فراق تفصلها ساعة عن نجلها. انقلبت السعادة التي كانت تغمر اجتماعها بأفراد عائلتها إلى حزن يعتريه صراخ، كانت الأم تكره مراسيم الوداع، فكيف سيكون الوداع ومن ستودعه هو طفلها محمد؟
أما الأب الذي كان في تلك الأثناء في منزله، استقبل اتصالاً مشابهًا، ليهرول إلى المستشفى. سأل والد الشهيد ابن أخيه الذي كان قد سبقه إلى المكان: "احكيلي الصح.. هل استشهد؟ أشعر أن هناك أمرًا ما تخبئه".
كان الأب في تلك الأثناء يبحث عن خبر يقين حول نجله، ولكن ابن أخيه يخفي عنه الحقيقة، بينما كان محمد قد تم تحويله إلى مستشفى الشفاء لصعوبة إصابته وخطورتها.
وصل والد محمد المستشفى على الفور وسأل الطبيب: "كيف ابني يا دكتور؟" ليجيبه: "تعال ندخل غرفة العمليات".. كان الجميع يحاول تقليل الصدمة على الأب حتى دخل على ابنه فوجده ممدًا بعد أن صعدت روحه إلى السماء.. مشهد حاول الأب الفرار منه، لكن الحزن سكن قلبه الذي كتب عليه الفراق.
يسترجع والده بعضاً من الذكريات التي قد تهدئ من اشتعال الشوق؛ وقال بحزن يقطر من صوته: "محمد حبوب، وضحوك، يحب الرسم والغناء، ولعب الكرة، أحب العيش حياة كريمة كباقي الأطفال يترفه ويذهب للمتنزهات والبحر، يحب ممارسة الألعاب على الهاتف الخلوي "الآيباد"، وكنت قد وعدته بشراء هاتف جديد له بعد تعطل الهاتف القديم".
"محمد وإخوته (أيوب وأحمد، وفاتن، وريتال، وديمة) قنوعون رغم أني موظف سلطة واختلط الوضع عليهم بسبب خصومات الرواتب".. بدا صوته كحبل تشده شحنات من الحنين بعد أن طرق الحزن بابه دون استئذان منهم.
يستعيد والد الشهيد الذي يعمل موظفاً في السلطة الفلسطينية ذلك المشهد قبل أن يقول: "رحل محمد قبل أن أفي بوعدي له، كانت أمنيته بسيطة بأن يلعب ويلعب ويلعب فلم يجد".
أحب "محمد" أن يتنفس بعضا من رائحة بلاده المهجرة، فعاد على الأكتاف شهيداً دون ذنب، ليكتب بدمائه التي سالت نهاية لحكاية طفولة بحثت عن الحياة، وعن العيش، وذاقت مرارة الواقع وقسوة المحتل الذي لم يرحم طفلا ولا شيخا ولا امرأة.

