تزويج الأبناء والفرحة بهم ومراسم زفافهم، ورؤية الأحفاد من بعد ذلك ومداعبتهم، كانت إحدى الأمنيات والأحلام التي جد واجتهد المزارع محمد عطا أبو جامع (59 عامًا) لتحقيقها.
لكن رصاصتين غادرتين أطلقهما جنود الاحتلال المتمركزين على حدود بلدة خزاعة شرق محافظة خان يونس جنوب قطاع غزة، أصابت إحداها جسده، أجهزت على تلك الأحلام وزرعت الحزن والآلام بين أفراد عائلته.
أبو جامع الذي كان يخطط لحفلات زواج أبنائه الأربعة، أصبح اليوم محمولا على الأكتاف يزفه أبناؤه وتودعه بناته الثلاث وزوجته وأحفاده، في عرس الشهادة.
وأصابت رصاصة مصدرها جنود الاحتلال الإسرائيلي، فخذه واخترقت أحشاءه الداخلية ومزقتها، في أثناء فلاحته أرضه ببلدة خزاعة، أول من أمس، ليرقد بعدها نحو ست ساعات في العناية المكثفة، ثم يرتقي شهيدا.
وشيعت جماهير غاضبة، أمس، جثمان "أبو جامع" في موكب مهيب انطلق من مستشفى غزة الأوروبي، إلى منزله ببلدة بني سهيلا لإلقاء نظرة الوداع ثم إلى مسجد حمزة لأداء صلاة الجنازة ودفنه في مقبرة الشهداء.
عمته المسنة التي كانت ترافقه في رحلة الفلاحة، تفاجأت بصوت إطلاق النار، وأدركت أن المستهدف كان ابن أخيها "أبو أحمد" فنهضت مسرعة إليه لتجده مضرجا بدمائه، لا يقوى على الحركة.
وقالت في حديثها لصحيفة "فلسطين": "كنت بعيدة عنه أمتار قليلة في أرضنا الزراعية، وكنا نعشب (نزيل الأعشاب من بين المزروعات)، فنهضت إلى صلاتي، وبقي هو يواصل عمله بسكينه الصغيرة".
وتابعت "أم محمد": "فرغت من صلاتي وهممت بالتوجه إليه، فإذا بالرصاص يخترق جسده، فقلت له تعال يا محمد، فلم يستطِع الحركة وانقلب على وجهه، وطلب مني بصوت خافت إحضار الإسعاف"، مضيفة: "توجهت لنقطة تابعة لقوات حماة الثغور فجاؤوا إليه ونقلوه إلى المستشفى".
وأوضحت أنهم كانوا يبتعدون عن الشريط الحدودي نحو 250 مترا، ويعملون في الأرض بأجواء هادئة تماما كما كل يوم.
وقالت: "لا نسمح للشباب بالتواجد في تلك المنطقة خوفا من استهدافهم من جنود الاحتلال، إلا أنهم لا يرحمون طفلا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة".
عذاب الفقد
وتقول إحدى بنات الشهيد "أبو جامع"، إن أباها زرع قمحا وبعض الخضروات في الأرض ويذهب إليها بشكل يومي يعشبها ويرعاها.
وأضافت بصوت باكي: "في يومه الأخير ذهب إلى الأرض دون أن يصحب أمي معه، لإكمال عمله، فجاءته رصاصات الغدر وقد كان يهم بأداء صلاة الظهر".
وتبتهل الابنة المكلوم بأن "يذيق الله عذاب جنود الاحتلال عذاب الفقد مثلما أذاقونا إياه".
وتذكر أبو جامع أن والدتها طلبت منه أن يصحبها إلى الطبيب لأنها متعبة، فقال لها سأغيب ساعة لأكمل عملي في الأرض وأرجع، ونذهب سوية بعد العصر، فعاد محمولا على الأكتاف، وبقيت أمي بحسرتها وآلامها على فقده.
وتشير إلى أن الاحتلال لا يتورع عن استهداف المدنيين والعزل، قائلة: "أبي لم يكن يحمل سلاحا أو متفجرات، وليس له علاقة بالتنظيمات، وإنما هو مزارع بسيط يكد ويتعب من أجل قوت عائلته".
وتممت: "كانت أمنية أبي أن يفرح بأبنائه ويراهم هانئين بعش الزوجية، سيما أنه بدأ خطوات عملية في بناء شقق لهم، كما أنه كان يكد ويعمل ويبحث عن رزقه لتحقيق هذه الأمنية".
أما زوجته، التي أغرقت الدموع وجهها حزنًا على فراقه، فأوضحت أنه رجل مسالم كان يقضي باقي عمره في العبادة والصلاة، والكفاح في أرضه من أجل لقمة العيش، قائلة: "حسبنا الله ونعم الوكيل على الظالمين، وأسأل الله تعالى أن يتقبله مع الشهداء".
في حين يقول صهر الشهيد إبراهيم أبو طعيمة، إن الاحتلال قتل عمه "أبو أحمد" بدم بارد، في استهتار واضح بقيمة وروح الإنسان الفلسطيني، مطالبًا المؤسسات الحقوقية والدولية بالوقوف عند مسؤولياتها بتوفير الحماية للمزارع الفلسطيني الذي يناضل من أجل قوت عياله.
ويؤكد أن استهداف المزارعين والمواطنين في المناطق الحدودية، لن يثنيهم عن ممارسة حياتهم اليومية الطبيعية، قائلا: "لن نرحل عن أرضنا مرة أخرى، وسنستمر في النضال حتى نعود إلى أرضنا".

