فلسطين أون لاين

​مبروك جرار.. عندما تنهش الكلاب جسد الأسير

...
جنين- الجزيرة نت

ليس اعتقال الأسير السابق مبروك جرار هذه المرة كسابقاتها، إذ لم يكتف جنود الاحتلال الإسرائيلي باقتحام المنزل وتفتيشه وتدمير محتوياته واحتجاز العائلة، بل زادوا على الأسلحة كلابا بوليسية "ضخمة" أطلقوا أحدها لينهش جسد الأسير وينتزعه من بين أطفاله.

ولا تكفي لاعتقال فلسطيني واحد كتيبة من جيش الاحتلال الإسرائيلي تعد خمسين جنديا أو أكثر يُطوِّقون منزله بسرية قبل اقتحامه، مستغلين ظلمة الليل وحلكته، ليتسللوا خلسة إلى البوابة الرئيسية ويفتحوها عنوة "خلعا أو تفجيرا" ثم يعبثوا بكل شيء.

وقد كان فجر الثالث من فبراير/شباط الجاري عصيبا على أهالي قرية برقين قرب جنين شمال الضفة الغربية، فحينها شرع عشرات الجنود في مداهمة المنازل بحثا عن المقاوم أحمد جرار -الذي استشهد لاحقا- وأمطروها بقنابل الغاز والصوت والقذائف المتفجرة (أنيرجا)، واقتلعت البوابات الرئيسية من مكانها وتساقط زجاج النوافذ؛ وكان منزل مبروك واحدا من هذه المنازل.

أيقظت "أصوات الرعب" مبروك (40 عاما) قسرا، فسارع إلى حجرة أطفاله يتحسسهم ويضمهم إلى صدره ثم يزحف بهم أرضا لينقذهم من "موت محقق"، تحت أزيز الرصاص وشظايا القذائف التي تناثرت في المكان، ويحميهم من "هوَس" جنود سكنهم الخوف فأطلقوا كلبهم من بعيد ليقوم بمهمة اعتقال مبروك.

أحداث مرعبة

"انقض الكلب عليّ وصار ينهش جسدي سبع دقائق أو أكثر، ولم أقوَ على الإفلات منه"، هكذا يروي مبروك قصة مداهمته، وهو يرقد الآن في مشفى رفيديا بنابلس بعد اعتقاله عشرة أيام، لإكمال علاجه الذي بدأه في مشفى إسرائيلي بمدينة العفولة داخل فلسطين المحتلة عام 1948.

جرَّ الكلب مبروك بعنف أمام زوجته وأطفاله، ولم تفلح محاولاته لتخليص نفسه من بين أنيابه لقوة "العضة"، وقد نهش الكلب أجزاء عدة من جسده.

كل ذلك ولما يأت الجنود بعد، كأنهم أرادوا للكلب "قتل" مبروك، بحسب زوجته إيناس التي راحت تلمُّ قطع اللحم المتناثرة منه أرضا، وقد سارعت صوب الجنود في الخارج ليخلصوا زوجها، لكنهم احتجزوها وراحوا يحققون معها.

ولم يشفع للرجل بكاء أطفاله واستغاثة زوجته، في حين لم يتمكن من إنقاذه أيٌّ من الجيران في الحي الجنوبي من القرية حيث تشتعل المواجهات. فأخذ الكلب يسحب مبروك إلى خارج المنزل حيث الجنود الذين انهالوا عليه ضربا على وجهه، مما أدى إلى كسر أنفه قبل أن يسقط مغشيا عليه والكلب يواصل قضم يده.

ويقول مبروك إن الجنود لم يستطيعوا تخليصه من فمّ الكلب، لكن أحدهم قطع قميصه ليأخذ الكلب قطعة القماش ويمضي.

"عضة" الجنود

أفلت مبروك من الكلب لكن "عضة" الجنود كانت أكبر، إذ أوثقوا قيده وهو ينزف واقتادوه لآلية الاعتقال ومن ثم إلى معسكر سالم شمالا، وهناك ظل ينزف دون علاج نحو ثلاث ساعات أمام الجنود الذين سارعوا "لالتقاط صور السلفي وهم ساخرين وضاحيكن"، ولما ساءت حالته أكثر نقلوه إلى المستشفى حيث قُيِّد إلى السرير تحت حراسة مشددة وحققوا معه بعنف.

في اليوم الخامس من الاعتقال اقتحم الجنود المنزل مرة أخرى، وهاجموا زوجته ووالدته المسنة وشقيقته ذات الإعاقة وأخضعوهم "للتفتيش العاري".

قضى مبروك أيام سجنه العشرة في المشفى الإسرائيلي، وكانت هذه أقصر مرات اعتقاله التي قاربت السابقة منها ست سنوات، لكنها "الأسوأ والأقسى" كما يروي الأسير لزواره الذين تقاطروا إلى مستشفى "رفيديا" للاطمئنان عليه.

وتحرص إيناس على تطبيب زوجها والعناية بجرحه، وترفض نزع الغطاء للصحفيين وغيرهم خشية نزف الجروح "الغائرة"، فقد أحدثت "عضة" الكلب "تهتكا شديدا في الأنسجة والعضلات" وكادت تسبب التهابات خطيرة، وفق الطبيب المعالج قاسم دغلس.

إفلاس أخلاقي

لم يكن مبروك جرار أول من تعتقله قوات الاحتلال بواسطة الكلاب البوليسية، فقد وثقت مؤسسات حقوقية وأخرى تعنى بالأسرى حالات مشابهة وأخطر، كالأسير محمد العزة من بيت لحم، وعدت ذلك انتهاكا صارخا لحقوق الأسرى.

وقالت مسؤولة الإعلام في نادي الأسير أماني سراحنة، إن مهمة الكلاب تعدت تفتيش المنازل إلى نهش الأسرى واعتقالهم.

فيما يقول الباحث في مؤسسة "بتسيلم" الحقوقية الإسرائيلية كريم جبران، إن استخدام الكلاب لغرض الاعتقال يُظهر "إفلاسا أخلاقيا" ووحشية من جيش الاحتلال، ولا سيما أن الأسرى لا يقاومون الجنود لحظة الاعتقال ولا يسعون "لإلحاق الأذى" بهم، مبينا توثيق المؤسسة حالات كثيرة من هذا القبيل.

ويضيف جبران أن خطر الكلاب تجاوز "حماية الجنود" وأصبح "لإرعاب وإرهاب" الأسير وذويه، فقد يفقد الجنود السيطرة عليها ويؤدي ذلك لقتل الأسير أو إيذائه بشكل كبير.

كما أن استخدامها لأجل الاعتقال بحد ذاته "مخالف للقانون"،

وقال إن سلطات الاحتلال رغم ذلك لا تكترث بالتحقيق في الشكاوى المقدمة ضد انتهاكات جيشها، وتحاول "تلميعه" والادعاء أنه يخضع للقانون.

ويحتاج مبروك إلى ثلاثة أسابيع أو أكثر ليشفى من جراحه، وحينها سيمكنه ضمّ أطفاله إلى حضنه ورفعهم بيديه عاليا، تلك أمنيته، وهي ما سيهون عليه أوجاعه الجسدية والنفسية.