فلسطين أون لاين

​آهات قلب

(1)

إذا انكسرت بعض الأشياء في داخلنا يصعب أن تعود، يستحيل أن تلتئم وتعود لصورتها الأولى، وتستعيد تماسكها ورونقها.. المشاعر داخل نفوسنا، العواطف داخل القلوب، أفكار جميلة حملناها عن أحدهم زيَّنته في عيوننا.. إن انكسرت وتناثرت أشلاؤها لا ولن تعود لسابق عهدها.

أتعلمين يا من كنت يوماً صديقتي؟ أدرك أنكِ لا تعلمين حجم الصَّدع الذي خلفته في نفسي، بعد أن هاجمتني بكلماتك القاسية على شيء لم يكن يستحق ثورتك تلك، وكِلْتِ لي التهم العارية من الصحة. لقد فاجأتني حينها وسحقت قلبي، حين لم تأبهي بمشاعري، وأنت تعلمين كم كنت حساسة مرهفة المشاعر. كنت أحسبك صديقتي المقربة.. ولكنك نفيت هذه الفكرة بإصرار، ودست عليها عند أول اختبار، وبعتني دون أن تبالي أمام أول مفترق.

أنا لا ألومك، فكثيرون أمثالك، عندما يعلو شأنهم، يعتقدون أنهم لم يعودوا بحاجة لرفقاء الدرب الصعب، الذين دعموهم حين كادوا ينزلقون، وساندوهم عندما هزتهم الأعاصير وكادت تحطمهم، ومدوا لهم أيديهم وتشبثوا بهم حين قاربوا على الغرق.. ربما تعتبرين الآن وبعد أن غدوت اسماً لامعاً يلتف حوله الناس ويتوددون إليه، أنك كبرت على البسطاء من أمثالي، ولا ضير إن تنكرت لهم، وقد يكون من الأفضل لك لو أنكرت معرفتك بهم أصلاً.

لم أبكك، بل شطبتك من قائمتي، مسحتك منها دون أسف، لم تعودي تعني لي شيئاً. يكفيك من يلتفون حولك ويحرصون على التقرب منك.. أنا عن نفسي أقول: لست أحد هؤلاء، ولا أسعى وراء الشهرة والأضواء مثلهم، ولست مستعدة لأن أبيع مبادئي التي أؤمن بها بلقاء صحفي أو افتتاح معرض أو حتى الوقوف على منصة متحدثة باسم الوطن. فقد علمتني الأيام أن مبادئي وقيمي ليست قابلة للبيع، مهما علا الثمن المعروض. وعلمتني أيضاً أن للظهور والشهرة بسرعة ثمن باهظ، أنا لا أقوى عليه. فاذهبي في طريقك ببريق شهرتك، وسأذهب أنا في طريقي بقيمي ومبادئي، ولا أظن أننا سنلتقي يوماً.

أنا لا ألوم الظروف التي أزاحت النقاب عن وجهك، وكشفت عوارك، فلولاها لبقيت أغوص في سذاجتي معتقدة أنك صديقتي.. اعلمي أنني قد سامحتك، ولكنك أبداً لن تعودي صديقتي، فما انكسر لا يعود أبداً.

(2)

"اعتقادات طفولية"

عندما كنت صغيرة كنت جميع الناس في نظري رائعين طيبين. ظلت صورة معلمة الروضة عالقة في ذهني، جمالها يداعب خيالي، أتمنى لو ألتقيها وأخبرها أنني مشتاقة للقائها.. مضت بي الأيام، كبرت، وخلال عملي، إذا بي ألتقيها وجهاً لوجه، لم أصدق نفسي، أتذكريني يا معلمتي؟ نظرت إليَّ بلا مبالاة.. ولم تكلف نفسها حتى عناء التذكر.

أدركت أن الأحلام الوردية التي طالما خالجت روحي سنوات طويلة، كانت سراب، تبدد مع أول نهار طلع عليه.

(3)

"إنسان عربي"

عن العربي المقهور داخلي أكتب، عن ذلك المسحوق الذي قدِم إلى دنيا تمتهن كرامة الإنسان دون ذنب منه. نما وترعرع، وأخذ يبصر الدنيا بعيون طفولية وبراءة، ولكن عندما كبر وجدها تكشر عن أنياب لم يعرفها، أو حتى يعتقد بوجودها.. وتبرز مخالبها القاسية.. هو لم يرتكب إثماً، فقط هو إنسان ولد في بلاد العرب، ولسانه نطق لغتهم دون إرادة منه، هو عربي رضع الحرية والكرامة مع حليب أمه، فوجدها تتقدم على كل شيء، حتى على حياته.. هو يأبى أن يكون عبداً.. كيف يكون ذلك وقد خلقه الله حراً؟ رفض الإذلال الذي تفرضه عليه معادلات طاغية باغية سائدة في المجتمعات.

ومن دون أن يدري كيف أو لماذا وجد نفسه خلف جدران رطبة مقيتة، تحجب عنه ضوء الشمس ودفئها، لا نوافذ فيها.. فقط هو باب معدني سميك، في أعلاه كوَّة محاطة بقضبان حديدية غليظة.. لم يعد يرى نور النهار.. فلم يعد يدرِ متى أتى يوم أو متى ولّى في حال سبيله.. تشابهت الأوقات أمامه حد الجنون. غابت الحياة ومعانيها عنه.. حفلات التعذيب والإذلال والإهانة كانت قدره المكتوب، ودون أن يدري لماذا صدر الحكم بحقه.. السجن المؤبد.. صرخ:

-هذا ليس عدلاً.. لماذا؟ ماذا فعلت؟

-أنت إرهابي!.

-أنت تمس بأمن الدولة واستقرارها!

-ماذا تقولون؟ أحقاً أنتم عقلاء؟

-اتقوا الله أيها البشر!