عندما نسمع أن الدين الفيدرالي الأمريكي يقترب من حاجز 40 تريليون دولار، يبدو السؤال منطقيًا: كيف يمكن لدولة تحمل هذا الحجم الهائل من الديون أن تبقى صاحبة أحد أقوى اقتصادات العالم، ولماذا لا تعلن إفلاسها؟
لفهم المسألة، يجب أولًا التمييز بين نوعين رئيسين من الدين الأمريكي.
النوع الأول هو الدين داخل الحكومة. فبعض الصناديق الحكومية، مثل صناديق الضمان الاجتماعي وتقاعد الموظفين المدنيين والعسكريين، تجمع أموالًا تزيد في بعض الفترات على احتياجاتها الحالية. وتستخدم وزارة الخزانة هذه الأموال مقابل إصدار سندات خاصة لهذه الصناديق.
وبلغة مبسطة، يبدو الأمر كأن الحكومة أخذت المال من "جيب حكومي" وأنفقته من "جيب حكومي آخر"، ثم كتبت على نفسها سندًا بأنها ستعيده مستقبلًا. ولذلك قد يصفه البعض مجازًا بأنه "دين على الحكومة لنفسها"، لكنه ليس دينًا وهميًا؛ لأن وراءه التزامات مستقبلية تجاه المستفيدين من تلك البرامج.
أما النوع الثاني، والأهم اقتصاديًا، فهو الدين المحتفظ به لدى الجمهور. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس وصوله إلى نحو 32.1 تريليون دولار بنهاية السنة المالية 2026، أي ما يعادل نحو 101% من الناتج المحلي الإجمالي. ويحمله مستثمرون وصناديق استثمار ومؤسسات مالية والاحتياطي الفيدرالي وجهات أجنبية.
ومن المفاجآت أن الصين ليست أكبر دائن لأمريكا. ففي يوليو 2026 بلغت حيازات اليابان من سندات الخزانة نحو 1.104 تريليون دولار، والمملكة المتحدة نحو 998 مليارًا، والصين نحو 618 مليار دولار. كما أن غالبية الدين المحتفظ به لدى الجمهور أمريكية الأصل؛ إذ تشير بيانات مكتب الموازنة إلى أن نحو 70% منه كان لدى جهات محلية أمريكية وفق بيانات 2025.
ولكن لماذا لا تفلس أمريكا؟
لأن الدولة لا تتعامل مع الدين كفرد اقترض 40 تريليونًا وعليه إعادتها غدًا. سندات الخزانة لها آجال استحقاق مختلفة، وعندما يحين موعد بعضها تستطيع الحكومة سدادها وإصدار سندات جديدة، فيما يعرف بإعادة التمويل. كما تمتلك الولايات المتحدة اقتصادًا ضخمًا، وقاعدة ضريبية واسعة، وأسواقًا مالية عميقة، وتصدر ديونها بعملتها الوطنية.
لكن هذا لا يعني أن الدين بلا حدود أو مخاطر. فالمشكلة الأخطر ليست الرقم وحده، بل تكلفة خدمته. ويتوقع مكتب الموازنة أن تبلغ مدفوعات الفائدة الصافية نحو تريليون دولار في 2026 وأن تستمر في الارتفاع.
وهنا تكمن المفارقة: أمريكا لا تبقى قوية لأنها بلا ديون، بل لأنها ما زالت قادرة على الاقتراض وتمويل ديونها. والسؤال الأهم مستقبلًا ليس: كم تدين أمريكا؟ بل: إلى متى تستطيع زيادة الدين بوتيرة أسرع من اقتصادها دون أن تصبح الفائدة نفسها عبئًا على قوتها الاقتصادية.

