قبل وصول الناخبين إلى صناديق الاقتراع، اتخذ رئيس السلطة محمود عباس سلسلة إجراءات أعادت ترتيب البيئة القانونية والمؤسسية للانتخابات المقبلة، من بينها الدعوة إلى انتخابات المجلس الوطني في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر، والمجلس التشريعي في 28 من الشهر نفسه، وإقرار نظام انتخابي جديد للمجلس الوطني، وإعادة تشكيل لجنة الانتخابات المركزية، وتشكيل محكمة قضايا الانتخابات، الأمر الذي يطرح تساؤلاً سياسياً وقانونياً: "هل يستعد عباس لانتخابات حقيقية يمكن أن تعيد توزيع موازين القوى داخل النظام السياسي الفلسطيني، أم أن جزءاً من نتائجها يجري تحديده سابقاً عبر التعيينات والقواعد التي توضع قبل وصول الناخبين إلى صناديق الاقتراع؟".
وتزداد أهمية السؤال مع انتخابات المجلس الوطني، الذي يضم وفق النظام الجديد 350 عضواً، بينهم 200 يمثلون الأراضي الفلسطينية و150 يمثلون الفلسطينيين في الخارج والشتات. وبينما ينص النظام على الانتخاب المباشر حيثما أمكن، فإنه يتيح في المناطق التي يتعذر فيها إجراء الانتخابات اللجوء إلى المجمعات الانتخابية أو التوافق، ما يثير تساؤلات حول حجم المقاعد التي قد تصل إلى المجلس خارج صندوق الاقتراع.
مراسيم الانتخابات والتعيينات
وحدد عباس الأول من تشرين الثاني/نوفمبر موعداً لانتخابات المجلس الوطني، بينما حدد 28 تشرين الثاني/ نوفمبر موعداً للانتخابات التشريعية في الضفة الغربية بما فيها القدس إضافة إلى قطاع غزة. وتتولى لجنة الانتخابات المركزية إدارة العملية الانتخابية.
وبحسب القواعد الحالية، يتكون المجلس التشريعي من 132 عضواً، ويجري التنافس عبر القوائم وفق نظام التمثيل النسبي الكامل. وقد شهد القانون تعديلات متتالية خلال 2026، إذ رُفع عدد المقاعد مؤقتاً إلى 200 قبل أن يعاد إلى 132، كما تغيرت بعض شروط الترشح والقوائم.
وفيما يتعلق بالمؤسسات الانتخابية، أعاد عباس تشكيل لجنة الانتخابات المركزية في 2024، في حين عُيّن مأمون أبو شهلا عضواً فيها في 2025. كما شُكلت في 2026 محكمة قضايا الانتخابات بمرسوم رئاسي وبناء على اعتماد مجلس القضاء الأعلى.
ويرى منتقدون أن تركيز صلاحيات تشكيل مؤسسات انتخابية وقضائية في الرئاسة يثير تساؤلات حول استقلال العملية، خصوصاً في ظل غياب مجلس تشريعي فاعل منذ سنوات.
تنبع حساسية انتخابات المجلس الوطني من علاقته بالمجلس التشريعي ومن دوره في منظمة التحرير. فالنظام الجديد ينص على أن أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين يصبحون أعضاء في المجلس الوطني خلال مدة ولايتهم، وتُحتسب عضويتهم ضمن المقاعد المخصصة للأراضي الفلسطينية.
وبذلك، يمكن لنتيجة الانتخابات التشريعية أن تنعكس مباشرة على تركيبة المجلس الوطني، بينما يبقى السؤال الأكثر حساسية متعلقاً بمقاعد الفلسطينيين في الخارج.
ويرى منتقدو النظام أن اللجوء إلى التوافق أو المجمعات الانتخابية أو التعيين في بعض مناطق الشتات قد يمنح القيادة السياسية في رام الله قدرة أكبر على التأثير في تركيبة المجلس، خصوصاً إذا لم يُعلن مسبقاً عدد المقاعد التي ستُشغل بالانتخاب المباشر وتلك التي ستُشغل بآليات أخرى.
"عباس يتحرك لحسم المعركة الانتخابية"
ويرى المحلل السياسي صالح لطفي أن الإجراءات التي اتخذها عباس لا يمكن فصلها عن الصراع على شكل النظام السياسي الفلسطيني بعد الانتخابات.
ويقول لصحيفة "فلسطين": "المعركة لا تبدأ يوم الاقتراع، وإنما تبدأ من القواعد والمؤسسات التي تحدد كيف سيجري الاقتراع ومن سيملك صلاحية إدارة نتائجه. عندما تكون الرئاسة حاضرة في تشكيل المؤسسات الانتخابية وتعديل القواعد وتحديد آليات تشكيل المجلس الوطني، فإنها تكون قد دخلت المعركة السياسية قبل وصول الناخب إلى الصندوق".
ويضيف لطفي: "هذا لا يعني أن الانتخابات محسومة أو أن هناك تزويراً مثبتاً، لكنه يعني أن القيادة القائمة تبني لنفسها أفضلية مؤسسية. السؤال هو من يضمن استقلال المؤسسات عندما تكون السلطة نفسها جزءاً من المنافسة السياسية؟".
ويرى أن المجلس الوطني يمثل الحلقة الأكثر أهمية، قائلاً: "إذا انتُخب ممثلو الداخل مباشرة، بينما جرى اختيار جزء كبير من ممثلي الخارج بالتوافق أو عبر المجمعات الانتخابية، فسيكون هناك تفاوت في درجة التفويض الشعبي داخل المجلس نفسه".
ويتابع: "عباس، في تقديري، يتخذ إجراءات استباقية لضبط جزء من المشهد قبل الانتخابات. والتعيينات في المؤسسات الانتخابية، إلى جانب طريقة تشكيل المجلس الوطني والتعديلات القانونية المتتالية، يجب أن تُقرأ ضمن سياق سياسي واحد".
لكنه يشدد على أن الحكم النهائي يتطلب معرفة عدد المقاعد التي ستُملأ بالاقتراع المباشر وتلك التي ستُملأ بالتوافق أو التعيين.
"الانتخابات ضرورية"
في المقابل، يرى الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل أن الانتقادات الموجهة إلى آليات تشكيل المجلس الوطني والتعيينات "تستحق النقاش"، لكنه يحذر من أن تتحول هذه الاعتراضات إلى سبب لتعطيل الانتخابات.
ويقول لصحيفة "فلسطين": "هناك أسئلة حقيقية حول تمثيل فلسطينيي الشتات وآليات التوافق والمجمعات الانتخابية، لكن معالجة هذه المشكلات يجب أن تكون من داخل العملية الانتخابية، وليس بإلغاء الانتخابات".
ويضيف: "الفلسطينيون بحاجة إلى تجديد مؤسساتهم وإعادة إنتاج شرعية تستند إلى المشاركة الشعبية. الانتخابات لا تحل كل المشكلات، لكنها يمكن أن تفتح المجال السياسي بعد سنوات طويلة من الجمود والانقسام".
ويؤكد عوكل أن العلاقة بين المجلسين الوطني والتشريعي يمكن أن تشكل مدخلاً لإعادة بناء النظام السياسي، قائلاً: "دخول أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين إلى المجلس الوطني يوفر جسراً بين مؤسسات الداخل ومنظمة التحرير، لكن هذا الجسر لن يكتمل من دون معالجة مسألة تمثيل الشتات بصورة واضحة وعادلة".
ويرى أن الانتخابات تكتسب أهمية أكبر في ظل المخاطر التي تواجه القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها مستقبل قطاع غزة.
ويقول: "الفلسطينيون يواجهون مخاطر تتعلق بمستقبل غزة ومحاولات التأثير في تركيبتها السياسية والديموغرافية. وفي هذه الظروف، يصبح وجود مؤسسات فلسطينية ذات شرعية شعبية أكثر أهمية، لا أقل".
ويضيف: "المطلوب انتخابات حقيقية، وقواعد معلنة، ورقابة مستقلة، ومشاركة واسعة من غزة والضفة والقدس والشتات. لا نريد انتخابات شكلية، لكننا أيضاً لا نريد أن تتحول الاعتراضات على بعض الآليات إلى ذريعة لتعطيل الاستحقاق كله".

